خطى مستدامة

المولد النبوي الشريف.. حين تكون القيم هدفًا من أهداف التنمية المستدامة

المولد النبوي

المولد النبوي الشريف.. حين تكون القيم هدفًا من أهداف التنمية المستدامة

في كل عام تعود ذكرى المولد النبوي الشريف حاملة معها سؤالًا يتجاوز حدود كونها مناسَبة دينية: ماذا يبقى من السيرة النبوية العطرة في حياة الناس بعد انقضاء احتفالها؟ فهي مناسبة تكتسب قيمتها من قدرتها على تحويل ما دعا إليه النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- من معانٍ إيجابية إلى أثر مستدام في شتى مناحي الحياة.

ومن هذه الزاوية لا تبدو السيرة النبوية بعيدة عن الأسئلة التي تشغل العالم اليوم، تلك الأسئلة المتعلقة ببناء مجتمعات أكثر عدلًا وقدرة على الاستمرار؛ فالتكافل، والعمل، والمسئولية، وخدمة المجتمع؛ كلها قيم يمكن أنْ نجد لها امتدادات معاصرة في مسارات التنمية المستدامة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وبيئيًّا.

وذلك يأتي بالتزامن مع ذكرى المولد النبوي الشريف، التي تحل علينا غدًا في 12 ربيع الأول 1448هـ، الموافق يومَ الخامس والعشرين من شهر أغسطس الجاري، وهي ذكرى تتجدد معها سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بما تحمله من معانٍ إنسانية وقيم حضارية؛ فقد كان مولده الشريف إيذانًا بمرحلةٍ جديدة في تاريخ الإنسانية، مرحلةٍ قامت على الرحمة والعدل وصون الكرامة والتكافل وإعلاء شأن العمل والبناء.

وهنا ينبغي لنا أنْ نوضح أنه على الرغم من أنَّ أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة في أجندة 2030، إطارٌ لا يقوم على أبعاد دينية محضة؛ فإنَّ بينها وبين المولد النبوي الشريف علاقة وثيقة، وهذه العلاقة ضمن إطار اجتماعي واقتصادي، وكذلك بيئي.

ذلك لأنَّ الأمم المتحدة تضع القضاء على الفقر والجوع، والصحة والرفاه، والتعليم الجيد، والعمل اللائق، والحد من عدم المساواة، والاستهلاك والإنتاج المسئولين، والسلام والعدل والمؤسسات القوية؛ ضمن منظومة عالمية متكاملة للتنمية المستدامة.

وفي ضوء ما تقدم تكون هناك صلة واضحة بين القيم النبوية وقضايا التنمية المعاصرة؛ وهو ما يجعل من المولد النبوي الشريف مدخلًا ثقافيًّا وفكريًّا لإعادة قراءة هذه القيم في ضوء تحديات العصر، التي يفرضها الحراك الاجتماعي والتحولات الاقتصادية في العالم كله.

المولد النبوي الشريف ذكرى مستدامة

ربما يكون السؤال الأشد أهمية في ذكرى المولد النبوي الشريف هو: هل نستعيد السيرة بوصفها تاريخًا، أم نستعيدها بوصفها منهجًا؟ لأنَّ الفارق بين الأمرينِ واسع؛ إذْ يمكن للذكرى أنْ تبقى في حدود الذاكرة، ويمكن لها أنْ تتحول إلى قوة دافعة لإصلاح الواقع.

وإذا كانت التنمية المستدامة تقوم على فكرة جوهرية مفادها أنَّ احتياجات الحاضر يجب ألا تأتي على حساب قدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها؛ فإنَّ استحضار السيرة النبوية العطرة يمكن أنْ يلتقي مع التنمية المستدامة وأهدافها عند مفهوم المسئولية الممتدة؛ أي مسئولية الإنسان عن نفسه، ومجتمعه، والموارد التي يتركها لمن بعده.

أهداف التنمية المستدامة

الرحمة بداية الطريق

حين تصبح الرحمة سلوكًا اجتماعيًّا فإنها تتجاوز بُعدها الوجداني إلى بناء شبكة من المسئولية المتبادلة، وهنا يبرز التقاطع مع الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالقضاء على الفقر، والهدف الثاني الخاص بالقضاء على الجوع، والهدف الثالث المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه.

ومما يُبرز ذلك هو أنَّ السنة النبوية قد حفلت بقيم التكافل ومساعدة المحتاج وإغاثة الملهوف، فكان المعنى التنموي حاضرًا في بناء ثقافة مجتمعية ترفض اللامبالاة تجاه الفقر والفقراء؛ لأنَّ الدولة -أيُّ دولةٍ- تحتاج إلى سياسات للحماية الاجتماعية، والمجتمع يحتاج إلى مؤسسات تضامن، والفرد يحتاج إلى وعي بأنَّ رفاهه لا ينفصل عن رفاه المحيطين به.

العمل والإتقان رافعة اقتصادية

أيضًا لا تستقيم التنمية الاقتصادية إلَّا إذا كان النمو مرتبطًا بالإنسان؛ فالهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة يدعو إلى تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والشامل، وتوفير العمل اللائق، حينما يرتبط الهدف التاسع بالصناعة والابتكار والبنية التحتية.

وإذنْ، فإنَّ قيم الأمانة والإتقان والوفاء بالحقوق تبدو ذات أهمية كبرى في تعزيز النمو الاقتصادي، الذي يُبنى على الثقة بين أفراده ومؤسساته؛ لأنَّ التاجرَ الأمين، والعاملَ المتقن، والمسئولَ الذي يحفظ المال العام، والمؤسسةَ التي تلتزم بدورها المجتمعي؛ جميعهم يسهمون في بناء بيئة اقتصادية أكثر قدرة على الاستمرار.

وهنا تكمن القيم الأخلاقية التي نسلط الضوء عليها هنا من خلال الاحتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف؛ فإنَّ التنمية المستدامة بأهدافها السبعة عشر تعني أنه على كل فرد في المجتمع أنْ يُنتِج ويعمل بطريقة أكثر عدلًا ونزاهة ومسئولية.

الاستهلاك المسئول قضية مستقبل

ربما تكون البيئة أكثر الأسباب التي تدفع الإنسان إلى أنْ يعيد نظره فيما يتعلق بسلوكه اليومي، وهو ما يدعو إليه الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة؛ أي الاستهلاك والإنتاج المسئولين، وذلك يطرح أمامنا قيمة الاعتدال وعدم الإسراف بوصفها قاعدة أخلاقية قادرة على دعم السلوك المسئول تجاه الموارد.

ولتحقيق ذلك حضَّت سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- على القَصْدِ في المعيشة وترك ‌الإسراف من غير تَقْتِيرٍ، محاوِلةً تشكيل الأساس الثقافي الذي يشجع على اتباع أنماط أكثر مسئولية في الاستهلاك، وهو ما نجده حاضرًا في الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، وغيره من الأهداف.

الاستهلاك المسئول

وختامًا، فإنَّ المولد النبوي الشريف ذو قيمة عميقة تظهر حين يصبح مناسَبة لمراجعة المسافة بين ما نؤمن به وما نمارسه، بين الرحمة التي نتحدث عنها والضعيف الذي يحتاج إلى التضامن، وبين الدعوة إلى الاعتدال والطريقة التي نستهلك بها الغذاء والماء والطاقة.

ومن هنا فإنَّ مؤسسة حماة الأرض ترى أنَّ الاستدامة تبدأ من القيم التي تصنع السلوك القادر على تحقيق تلك المؤشرات والمحافظة عليها؛ وحينها يصبح المولد النبوي الشريف مناسَبة لتجديد العهد بالقيم التي تجعل التنمية إنسانية في جوهرها، ومستدامة في أثرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى