ظاهرة النينيو تضرب اقتصاد إفريقيا.. خسائر بالمليارات وتهديد للأمن الغذائي

تواجه إفريقيا احتمال تلقي صدمة اقتصادية جديدة مع اقتراب ظاهرة النينيو من التحول إلى واحدة من أقوى موجاتها المسجلة، إذا استمرت اتجاهات ارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ. وقد تؤدي الظاهرة إلى موجات جفاف حادة في بعض المناطق، وفيضانات وعواصف في مناطق أخرى، بما يهدد الإنتاج الزراعي والمياه والبنية التحتية واستقرار الاقتصادات الإفريقية.
ويقدر البنك الإفريقي للتنمية أن تصل الخسائر الاقتصادية في الدول المتضررة إلى ما بين 10 و20 مليار دولار، مع احتمال انخفاض الناتج المحلي الإجمالي في البلدان الأكثر تأثرًا بنسبة تتراوح بين 1% و2% في المتوسط.
وتأتي هذه التقديرات بعدما توقع البنك نمو الاقتصاد الإفريقي بنحو 4.2% خلال عام 2026، مع الارتفاع إلى 4.4% في 2027، قبل ظهور التحذيرات من احتمال تشكل موجة قوية يصفها بعض الخبراء بـ “النينيو الفائقة”.
وتمثل هذه الأرقام تقديرات أولية قدمها مدير إدارة تغير المناخ والنمو الأخضر في البنك الإفريقي للتنمية، أنتوني نيونج، والذي لم يحدد نصيب كل دولة من التأثير المتوقع. لكن التحذير يكشف أن ظاهرة النينيو قد تتجاوز كونها اضطرابًا مؤقتًا في الطقس لتصبح أزمة اقتصادية واجتماعية ممتدة.
ظاهرة النينيو تهدد النمو الاقتصادي
ترتبط ظاهرة النينيو بارتفاع دوري في حرارة أجزاء من المحيط الهادئ، ما يؤدي إلى تغير أنماط الأمطار والحرارة والرياح في مناطق مختلفة من العالم. وفي إفريقيا، قد تظهر آثارها في صورة جفاف طويل، أو أمطار غزيرة وفيضانات، أو عواصف تضرب السواحل والبنية التحتية.
وتختلف طبيعة التأثير من منطقة إلى أخرى. فقد تستمر ظروف الجفاف التي تعانيها أجزاء من منطقة الساحل، بينما تواجه دول أخرى مخاطر الفيضانات والعواصف الشديدة. ويشير إعصار “إيداي”، الذي ضرب موزمبيق عام 2019، إلى أن التعافي من الكوارث الكبرى قد يستغرق سنوات، خاصة عندما تتضرر الطرق، وشبكات المياه، والمنازل، والمزارع.
كما أن الخسائر لا تتوقف عند تكلفة إصلاح ما تدمره الكارثة. فتوقف الإنتاج الزراعي والصناعي، وتعطل حركة النقل، وتراجع الصادرات، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، كلها عوامل قد تقلص النمو الاقتصادي وتضغط على موارد الحكومات.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية أكبر في دول تعاني أصلًا ارتفاع الديون وضعف شبكات الحماية الاجتماعية. فعندما تضرب ظاهرة النينيو أكثر من قطاع في الوقت نفسه، يصبح التعافي أبطأ، وتتسع الفجوة بين احتياجات السكان والموارد المتاحة للحكومات.
الغذاء والمياه في قلب الصدمة
أظهرت موجة النينيو بين عامي 2023 و2024 حجم التأثير المحتمل، بعدما تسببت في جفاف شديد بجنوب القارة، وفيضانات وأمطار غزيرة في شرق إفريقيا. وأدت هذه الظروف إلى خسائر واسعة في المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء، إلى جانب زيادات قياسية في مستويات مياه البحر على أجزاء من السواحل الإفريقية.
ويقدر البنك الإفريقي للتنمية أن المزارعين في القارة يواجهون بالفعل خسائر في الدخل تقترب من 327 مليون دولار خلال العام، بينما قد تنخفض إنتاجية مصايد الأسماك بنسبة تتراوح بين 1% و4% نتيجة ارتفاع حرارة البحار والعواصف.
كما يتوقع مسؤول المناخ في البنك احتمال تضاعف سعر الذرة في المناطق المتضررة، وهي محصول أساسي تعتمد عليه ملايين الأسر. ويبقى هذا توقعًا مرتبطًا بشدة الظاهرة وحجم الأضرار الفعلية، لكنه يوضح كيف تنتقل ظاهرة النينيو من الحقول إلى الأسواق وميزانيات الأسر.
ويرتبط تأثير الظاهرة بالهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالقضاء على الجوع، وتحديدًا الغاية 2.4 الخاصة ببناء نظم إنتاج غذائي مستدامة وقادرة على الصمود أمام تغير المناخ والظواهر الجوية المتطرفة. فتلف المحاصيل وتراجع دخل المزارعين يكشفان حاجة الزراعة الإفريقية إلى بذور مقاومة للجفاف، وإدارة أفضل للمياه، وأنظمة إنذار تساعد المنتجين على الاستعداد قبل وقوع الضرر.
كما يمتد الخطر أيضًا إلى الأمن المائي، لأن الجفاف يقلل المياه المتاحة للشرب والزراعة وتربية الماشية، بينما قد تؤدي الفيضانات إلى تلويث المصادر وإتلاف شبكات الصرف والإمداد.
فخ التمويل المناخي يضغط على الحكومات
يحذر البنك الإفريقي للتنمية من وقوع دول القارة في ما وصفه بـ “فخ التمويل المناخي”. ويحدث ذلك عندما تفتقر الحكومات إلى الموارد اللازمة للاستجابة للكوارث، فتضطر إلى سحب الأموال من موازنات الصحة والتعليم والبنية التحتية لتغطية تكاليف الإغاثة وإعادة الإعمار.
وفي هذه الحالة، تؤدي الكارثة إلى إضعاف قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية، بينما يزيد الاقتراض من أعباء الدين، وعندما تقع صدمة جديدة، تكون الحكومة أقل قدرة على مواجهتها، ما يعيد الدورة نفسها ويعمق الهشاشة الاقتصادية.
وقد تمتد الخسائر إلى القطاع المصرفي إذا دمرت الفيضانات أو العواصف المشروعات والأصول التي مولتها البنوك، أو إذا عجزت الحكومات والشركات والمزارعون عن سداد القروض المرتبطة بها. وبذلك تتحول ظاهرة النينيو من خطر مناخي إلى تهديد للاستقرار المالي.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الدول النامية قد تحتاج إلى نحو 365 مليار دولار سنويًّا بحلول 2035 لمواجهة تغير المناخ، بينما بلغ التمويل العام الدولي الموجه للتكيف نحو 26 مليار دولار فقط في عام 2023.
وكانت احتياجات إفريقيا لتمويل التكيف خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة تقدر بنحو 50 مليار دولار، لكن البنك الإفريقي للتنمية يرى أن قوة النينيو المتوقعة قد ترفعها إلى ما بين 80 و100 مليار دولار.
الهجرة والمنافسة على الموارد
قد تؤدي خسارة المحاصيل والمياه والدخل إلى دفع السكان بعيدًا عن المناطق الأكثر تضررًا. وفي هذا السياق، حدد البنك السودان وجنوب السودان والكونغو الديمقراطية والصومال ومالي وبوروندي ونيجيريا بين الدول التي قد تواجه آثارًا شديدة.
ولا تعني هذه التوقعات أن ظاهرة النينيو ستؤدي وحدها إلى الصراعات أو الهجرة الجماعية، لكنها قد تزيد الضغوط القائمة في مناطق تعاني الفقر والنزاعات وضعف المؤسسات. فعندما تقل المياه والمراعي والأراضي المنتجة، تتصاعد المنافسة بين المجتمعات التي تعتمد عليها.
ويرتبط ذلك بالهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالقضاء على الفقر، خاصة الغاية 1.5 التي تدعو إلى تعزيز قدرة الفقراء والفئات الهشة على الصمود أمام الكوارث المناخية وتقليل تعرضهم للخسائر الاقتصادية والاجتماعية.
وتتطلب حماية هذه الفئات توسيع برامج الدعم النقدي والغذائي، وتأمين مصادر الدخل البديلة، وتوفير خدمات سريعة للمناطق التي تستقبل النازحين، حتى لا تتحول الصدمة المؤقتة إلى فقر طويل الأجل.
تمويل التكيف قبل وقوع الكارثة
يستعد البنك الإفريقي للتنمية لتكثيف استجابته من خلال مراجعة التأثير المحتمل للظاهرة في مشروعاته القائمة والمخطط لها، مع إمكانية إعادة هيكلة بعض المشروعات لمساعدة الدول على التعامل مع الأضرار.
كما يسعى إلى دعم الدول في الوصول إلى تمويل إضافي من صندوق المناخ الأخضر، وصندوق التكيف، وصناديق الاستثمار المناخي، وآليات تمويل الخسائر والأضرار.
ويرتبط هذا التحرك بالهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالعمل المناخي، وتحديدًا الغاية 13.1 الخاصة بتعزيز القدرة على الصمود أمام المخاطر المناخية والكوارث. فالاستثمار المبكر في الإنذار والتأهب وحماية الزراعة والبنية التحتية يقلل الخسائر، ويحد من اضطرار الحكومات إلى تحويل موارد الصحة والتعليم بعد وقوع الكارثة.
حيث تحتاج مواجهة ظاهرة النينيو إلى تطوير نظم الإنذار المبكر، وتحسين التوقعات الموسمية، ودعم المزارعين وصغار الصيادين، وحماية شبكات المياه والطرق، وتوفير تمويل ميسر لا يضيف أعباء ديون جديدة إلى الدول المتضررة.
وفي هذا السياق، تلفت مؤسسة حماة الأرض إلى أن الاستجابة الفاعلة تتطلب الانتقال من تمويل الإغاثة بعد وقوع الأضرار إلى الاستثمار في الوقاية وبناء القدرة على الصمود. فحماية المحاصيل والمياه والبنية التحتية قبل الكارثة أقل تكلفة من إصلاحها بعد انهيارها.
وتضع ظاهرة النينيو إفريقيا أمام اختبار يتعلق بقدرة الدول والمؤسسات المالية على التحرك قبل اتساع الخسائر. فكل تأخير في تمويل التكيف يزيد احتمال انتقال الصدمة من المناخ إلى الغذاء، والفقر، والديون، والهجرة.
