صناعات مستدامة

صراع حول الاقتصاد الصيني.. الغرب يطالب بخفض الإنتاج وبكين تحمي نموذجها الصناعي

الاقتصاد الصيني

صراع حول الاقتصاد الصيني.. الغرب يطالب بخفض الإنتاج وبكين تحمي نموذجها الصناعي

يدخل الاقتصاد الصيني مرحلة جديدة من المواجهة مع شركائه التجاريين، بعدما كثفت بكين دفاعها عن السياسات التي تمنح الصناعة المتقدمة والاستثمار أولوية على استهلاك الأسر. وتأتي هذه الرسائل قبل محادثات مرتقبة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في ظل تصاعد المخاوف الغربية من الفائض التجاري الصيني وتدفق المنتجات منخفضة التكلفة إلى الأسواق العالمية.

وتشير مواقف القيادة الصينية الأخيرة إلى استعداد بكين لمناقشة الخلافات التجارية وتقديم دعم اقتصادي موجه، لكنها لا تبدو مستعدة لإجراء التحول الهيكلي الواسع الذي تطالب به واشنطن وبروكسل وعدد من الاقتصاديين. وتمتد المطالب الغربية من تعديل الرسوم وشروط دخول الأسواق إلى إعادة توزيع الموارد بين المصانع والأسر داخل الصين.

وبذلك، تتحول المفاوضات المقبلة إلى مواجهة حول النموذج الاقتصادي نفسه: هل تستمر الصين في الاعتماد على الصناعة والتصدير لتحقيق النمو، أم تعيد توجيه مواردها نحو رفع الاستهلاك المحلي وتقليل اعتماد الشركات على الطلب الخارجي؟

الاقتصاد الصيني يمنح الصناعة الأولوية

اعتمدت الصين خلال العقود الماضية على توجيه الاستثمارات والمدخرات إلى البنية التحتية والمصانع والتكنولوجيا، ما ساعدها على بناء قاعدة إنتاجية ضخمة واللحاق بالاقتصادات المتقدمة في عدد من الصناعات.

ودافعت مجلة “تشيوشي”، المنبر النظري الرئيسي للحزب الشيوعي، عن انخفاض الاستهلاك باعتباره نتيجة مبررة تاريخيًّا لنموذج تنموي قائم على الاستثمار واللحاق الصناعي. لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن ما كان مناسبًا خلال مرحلة سابقة لا يمكن اعتباره مبررًا دائمًا، وأن تغيير النموذج أصبح ضروريًّا على المدى الطويل.

ويكشف هذا الموقف أن بكين لا تنكر وجود اختلال بين الإنتاج والاستهلاك، لكنها تفضل معالجته تدريجيًّا. إذ تخشى السلطات أن يؤدي التحول السريع إلى تعثر المصانع والمشروعات، وفقدان الوظائف، وتراجع النمو، وزيادة الضغوط المالية على الحكومات المحلية.

ويرتبط هذا المسار بالهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة المعني بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، وخاصة الغاية 8.2 المتعلقة برفع الإنتاجية من خلال التنويع والتحديث التكنولوجي والابتكار. غير أن استدامة الاقتصاد الصيني تظل مرتبطة بمدى انعكاس هذه الإنتاجية على دخول الأسر وفرص العمل وقدرتها على دعم الطلب المحلي.

الصناعة المستدامة

لماذا يطالب الغرب بزيادة الاستهلاك؟

ترى الدول الغربية أن ضعف استهلاك الأسر الصينية يدفع الشركات إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأسواق الخارجية. فعندما تصبح قدرة المصانع على إنتاج السلع أكبر من حجم الطلب المحلي، تبحث الشركات عن منافذ جديدة لتصريف إنتاجها والحفاظ على معدلات التشغيل.

وتتهم الولايات المتحدة ودول أوروبية الصين بإعطاء المنتجين أولوية على حساب الأسر، من خلال الدعم والاستثمار والتمويل الموجه إلى الصناعات. وترى أن هذه السياسات تسمح بوصول منتجات صينية أرخص إلى الأسواق العالمية، بما يضغط على الشركات والوظائف في الدول التي تسعى إلى تحقيق نمو أكثر توازنًا.

في المقابل، تؤكد بكين أن نموذجها يعكس احتياجات دولة لا تزال في مرحلة اللحاق بالاقتصادات المتقدمة، وأن منتجاتها أصبحت أكثر تقدمًا من الناحية التقنية. كما ترى أن استثماراتها في العلوم والتكنولوجيا يمكن أن تقدم فوائد للاقتصاد العالمي.

فائض الإنتاج بين الانتقاد والرفض

يمثل مفهوم “فائض الطاقة الإنتاجية” أحد أكثر الملفات خلافًا. ويشير المصطلح إلى امتلاك المصانع قدرة على إنتاج كميات تتجاوز الطلب المحلي المتاح، ما يدفعها إلى توجيه جزء متزايد من السلع إلى الخارج.

وترفض وزارة التجارة الصينية هذه الرواية، وتصف الحديث عن فائض الإنتاج بأنه قائم على عيوب منطقية ودوافع حمائية تستهدف تقييد الشركات والمنتجات الصينية. كما تؤكد أن القدرة على إنتاج سلع أقل تكلفة قد تعكس كفاءة أعلى وتقدمًا تكنولوجيًّا.

لكن المشكلة بالنسبة إلى شركاء الصين ترتبط بالطريقة التي يُمول بها، وبمدى قدرة الشركات المنافسة على مواجهة أسعار المنتجات الصينية. وهنا يظهر ارتباط القضية بالهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى تحقيق أنماط مسؤولة ومستدامة من الإنتاج والاستهلاك.

فالتوسع الصناعي الذي لا يقابله طلب كافٍ قد يؤدي إلى انخفاض العوائد، وحروب أسعار، واستخدام غير كفء لرأس المال والموارد، حتى عندما تحقق المنتجات نفسها تقدمًا تكنولوجيًّا.

التجربة الديموجرافية الصينية
التجربة الديموجرافية الصينية

“صدمة الصين” و”فرصة الصين”

تحاول بكين مواجهة تحذيرات من حدوث “صدمة الصين 2.0″، وهي سيناريو يشير إلى احتمال إزاحة الشركات الصينية لمنافسين غربيين في الصناعات المتقدمة، بعد أن ارتبطت الصدمة الأولى بتوسع صادرات الصين في الصناعات التقليدية.

ورد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ بتقديم تعبير “فرصة الصين 2.0″، معتبرًا أن السلع الأقل تكلفة والاستثمارات في التكنولوجيا والعلوم يمكن أن تفيد المستهلكين والاقتصادات في أنحاء العالم.

لكن هذه الرواية تواجه صعوبة في الدول المستقبلة للصادرات الصينية. فضعف الطلب المحلي يجعل من الصعب إقناع الحكومات بأن التوسع في الصادرات يمثل فائدة خالصة، خاصة عندما تخشى هذه الحكومات تراجع قطاعاتها الصناعية واعتمادها على الموردين الصينيين.

ويكشف الجدل أن الخلاف حول الاقتصاد الصيني أصبح مرتبطًا بمستقبل التصنيع العالمي وتوزيع القدرات الإنتاجية والتكنولوجية بين الدول.

أوروبا تتحرك لحماية صناعاتها

بلغ العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين خلال العام الماضي متوسطًا يقارب مليار دولار يوميًّا، وهو ما دفع أوروبا إلى تطوير سياسات صناعية ومحلية للدفاع عن سوقها.

وتتجه دول الاتحاد إلى منح المشتريات المحلية أولوية كبرى، وحماية القطاعات الاستراتيجية، ومطالبة بكين بمعالجة الاختلالات التجارية. كما انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرتس الصين بسبب إبقاء عملتها عند مستويات منخفضة.

لكن الاتحاد الأوروبي يواجه معادلة صعبة؛ إذ تسهم المنتجات الصينية منخفضة التكلفة في خفض الأسعار ودعم بعض الصناعات الأوروبية، لكنها في الوقت نفسه تزيد الضغط على المنتجين المحليين وتهدد الوظائف والقدرات الصناعية في القطاعات التي تنافسها الصين.

ويرتبط هذا الملف بالغاية 17.10 من الهدف السابع عشر للتنمية المستدامة المعني بعقد الشراكات لتحقيق الأهداف، التي تدعو إلى نظام تجاري متعدد الأطراف، مفتوح، قائم على القواعد، غير تمييزي ومنصف. غير أن تصاعد الرسوم والدعم الحكومي وسياسات المشتريات المحلية يجعل الحفاظ على هذا النظام أكثر تعقيدًا.

المعادن النادرة تعزز موقف بكين

أظهرت المواجهة التجارية مع الولايات المتحدة أن الرسوم الجمركية ليست أداة الضغط الوحيدة. فعندما فرضت واشنطن رسومًا تجاوزت 100% خلال العام الماضي، استخدمت بكين موقعها المهيمن في إنتاج ومعالجة العناصر الأرضية النادرة لاستعادة جزء من قوتها التفاوضية.

وتدخل هذه المواد في صناعات السيارات والإلكترونيات والطاقة والتكنولوجيا والدفاع، ما يجعل السيطرة عليها ورقة استراتيجية تتجاوز التجارة التقليدية.

ومنحت هذه التجربة الصين ثقة أكبر في قدرتها على إدارة الخلافات من خلال مفاوضات طويلة وتنازلات محدودة، دون تقديم تغييرات كبيرة في أساس نموذجها الاقتصادي.

المعادن الحيوية

بكين تعترف بالاختلال لكنها تتحرك ببطء

أبطأت الصين وتيرة الاستثمار خلال العام الجاري، خاصة من خلال تشديد الرقابة على إنفاق الحكومات المحلية، الذي يحمّله اقتصاديون جزءًا من مسؤولية زيادة الاستثمار في المصانع والبنية التحتية.

كما أقر مسؤولون بوجود تناقض بين العرض والطلب، وتعهدوا بالحد من حروب الأسعار التي تدفع الشركات إلى التضحية بالأرباح من أجل زيادة حصصها السوقية.

وتكرر الحكومة وعودها بتعزيز الطلب الاستهلاكي، لكنها لم تقدم حتى الآن خطة واسعة لإعادة توزيع الدخل أو توسيع الحماية الاجتماعية بصورة تغير هيكل الاقتصاد الصيني جذريًا.

وتفضل بكين دعمًا مستهدفًا وإصلاحات تدريجية، تجنبًا لاضطرابات اقتصادية قد تنتج عن تقليص الاستثمار الصناعي بسرعة أو إغلاق المشروعات منخفضة العائد.

أرقام تزيد الضغوط على النموذج الصيني

تدعم مجموعة من التقديرات الدولية المخاوف المرتبطة بالدعم وضعف الاستهلاك. فقد ذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الدعم يمكن أن يفسر مكاسب الحصة السوقية لدى قرابة 60% من الشركات الصينية التي شملها تقرير حديث.

وقدَّر بحث صادر عن بنك إيطاليا أن عوامل داخلية، من بينها ضعف الاستهلاك وفائض الطاقة الإنتاجية، أسهمت في نحو 75% من نمو الصادرات الصينية.

كما أشار معهد ماكينزي العالمي إلى أن الصين تضيف سنويًّا أصولًا إنتاجية تعادل ثلاثة أضعاف ما تضيفه أوروبا والولايات المتحدة مجتمعتين، بينما تقل عوائد رأس المال لديها بنحو 40%.

الاقتصاد الدائري على خط المواجهة

وتظل هذه الأرقام تقديرات صادرة عن مؤسسات بحثية، وليست نتائج متفقًا عليها بين جميع الأطراف. لكنها تعزز الضغوط الدولية المطالبة بأن تتحمل الصين جزءًا أكبر من تكلفة إعادة التوازن داخل اقتصادها.

وختامًا، تدخل الصين المفاوضات المقبلة بثقة أكبر في قدرتها على إدارة الخلافات التجارية وشراء الوقت، مستفيدة من قوتها الصناعية والتكنولوجية وموقعها في سلاسل الإمداد العالمية.

ومن جانبها، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن استدامة الاقتصاد الصيني تتطلب تحقيق توازن أكبر بين الإنتاج والاستهلاك، ورفع كفاءة الاستثمار، وضمان انعكاس النمو على دخول الأسر وفرص العمل.

كما تكشف الخلافات مع أوروبا والولايات المتحدة أن استقرار التجارة العالمية يحتاج إلى قواعد واضحة توازن بين حق الدول في تطوير صناعاتها، وضرورة منع انتقال الاختلالات الاقتصادية المحلية إلى الأسواق والشركاء التجاريين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى