أخبار الاستدامة

الهجرة غير الشرعية.. كيف دفعت شائعة واحدة 72 ألف مهاجر إلى حدود أوروبا؟

الهجرة غير الشرعية

الهجرة غير الشرعية.. كيف دفعت شائعة واحدة 72 ألف مهاجر إلى حدود أوروبا؟

في البحر قبالة سبتة، حيث لا وقتَ للتفكير. عشرات الأجساد تتقدم وسط المياه، وأيدٍ تبحث عن أي شيء يمكن التمسك به، بينما يحاول كل شخص الوصول إلى الجانب الآخر قبل أن تنفد قوته. وصف أحد العابرين المشهد قائلًا إن الناس كانوا يحاولون الإمساك ببعضهم طلبًا للنجاة، فيما كان كل فرد يحاول بدوره الإفلات حتى لا يُسحب إلى الأسفل ويغرق.

خلال ساعات، تحولت الهجرة غير الشرعية إلى مأساة بحجم يصعب تجاهله. فقد بدأ نحو 72 ألف شخص العبور إلى جيب سبتة الإسباني الواقع على الطرف الشمالي للمغرب، بعضهم سباحة حول السياج الحدودي، بينما مات آخرون غرقًا أو نتيجة التدافع. ووفق مسؤولين محليين، فقد 88 شخصًا على الأقل حياتهم أثناء محاولات العبور.

لكن المفارقة جاءت سريعًا؛ فخلال 24 ساعة فقط، كان معظم هؤلاء قد عادوا إلى المغرب. الأزمة الميدانية بدأت تنحسر، بينما كانت صورها قد بدأت حياة أخرى على الشاشات، لتتحول في أيام قليلة من مأساة إنسانية إلى مادة سياسية تعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في أوروبا.

البحر يمتلئ بالعابرين

كان أغلب العابرين من الشباب الباحثين عن عمل وفرصة لبناء حياة أفضل، بحسب المادة التي أوردتها الصحافة. ولم تظهر تقارير تشير إلى وصول أي منهم إلى البر الإسباني الرئيسي، إذ إن الانتقال من سبتة إلى داخل إسبانيا شديد الصعوبة لمن لا يحملون الوثائق المطلوبة.

هذه الحقيقة لم تمنع مشاهد الرجال وهم يتسلقون الصخور أو يسيرون في شوارع سبتة من الانتشار الواسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وبحلول الوقت الذي أصبحت فيه تلك المقاطع مادة يومية للنقاش، كانت إسبانيا قد أعلنت بالفعل أن معظم المهاجرين عادوا إلى المغرب.

هنا ظهرت فجوة واضحة بين ما حدث على الأرض وما بقي في الذاكرة الرقمية. فالصور استمرت في الانتشار بعدما خفت حدة الهجرة غير الشرعية ميدانيًّا، ومعها بدأت رواية مختلفة تتشكل حول ما إذا كانت أوروبا تواجه أزمة حدودية أم مشهدًا إنسانيًّا قصير الأجل جرى تضخيمه سياسيًّا.

المخاطرة بحياة الشباب في الهجرة غير الشرعية

شائعة تشعل الطريق

قبل أن يصل آلاف الشباب إلى البحر، كانت القصة قد بدأت من شاشات الهواتف.

انتشرت عبر مواقع التواصل معلومات مضللة استندت إلى حكم للمحكمة العليا الإسبانية يتعلق بعدم ترحيل المهاجرين الوافدين بحرًا بصورة فورية. ومع تداول الحكم، تحولت دلالته على المنصات إلى رسالة أبسط وأكثر خطورة: الحدود بين المغرب وإسبانيا أصبحت مفتوحة.

على إنستجرام، ظهرت منشورات تشجع على العبور، بينما عرضت مقاطع على تيك توك أماكن يمكن السباحة منها، وبدأ مستخدمون على فيسبوك في متابعة تحركات دوريات خفر السواحل. ولم يتضح من يقف وراء عدد من هذه الحسابات، خاصة بعدما اختفى بعضها عقب الأحداث.

وهكذا امتزج الطموح القديم بالبحث عن فرصة مع معلومة وصلت في اللحظة المناسبة. وقد ساعدت الشائعةُ الرغبةَ في الرحيل على تحويلها إلى حركة جماعية واسعة، تكشف جانبًا معقدًا من الهجرة غير الشرعية في عصر يمكن فيه لمنشور قصير أن يؤثر في قرارات آلاف الأشخاص.

البحث عن فرصة

خلف الأرقام الكبيرة، ظل الدافع الإنساني أكثر بساطة: العمل وحياة أفضل.

وهذا الجانب يفتح نافذة مباشرة على الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد، ولا سيما الغاية 8.5 التي تدعو إلى تحقيق العمالة الكاملة والمنتجة والعمل اللائق للجميع. فالآلاف الذين تحركوا نحو سبتة بدأ مسارهم في بيئات اقتصادية تجعل فرص العمل والاستقرار عاملًا حاسمًا في قرار الرحيل.

ويفسر العامل الاقتصادي لماذا استطاعت شائعة عن فتح الحدود أن تجد جمهورًا مستعدًا للمخاطرة بالبحر من أجل احتمال الوصول إلى فرصة جديدة.

وفي الوقت نفسه، تراجع مستوى المراقبة على الجانب المغربي من الحدود إلى حد كبير خلال انتشار الشائعة، ما سمح لأعداد ضخمة بالعبور. وطرح محللون تفسيرات سياسية لذلك، بينها توتر مرتبط بزيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر، إضافة إلى تحولات في العلاقات الإقليمية، لكن هذه الاحتمالات ظلت محل تحليل ولم تُحسم بصورة قاطعة.

الصورة تصبح سياسة

بعدما انتهى القسم الأكبر من العبور، بدأت معركة أخرى حول تفسير الصور. فوصف تومي روبنسون سبتة عبر منصة إكس بأنها تحولت خلال 48 ساعة إلى ما سماه “مدينة من العالم الثالث”، بينما كتب إيلون ماسك أن وجود رجال في سن الخدمة العسكرية يعني، في رأيه، أن ما يحدث يمثل “غزوًا”.

ورفض الصحفي المتخصص في شئون اللاجئين والهجرة دانيال تريلينغ هذا التوصيف، مشيرًا إلى صعوبة وصول هؤلاء الأشخاص من سبتة إلى البر الأوروبي، ومعتبرًا أن الحديث عن غزو لأوروبا لا يعكس الوقائع.

ومع ذلك، تحولت صور الهجرة غير الشرعية إلى أداة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، بعدما استخدمها سياسيون وشخصيات عامة لتقديم العبور باعتباره تهديدًا أمنيًّا واسعًا، مع تكرار أوصاف مثل “رجال في سن القتال”-وهو تعبير استخدمه بعض أصحاب الخطاب المتشدد للإيحاء بأن وجود أعداد كبيرة من الشباب الرجال قد يمثل تهديدًا أمنيًّا محتملًا- والدعوة أيضًا إلى تشديد إجراءات منع القوارب.

ويكشف هذا الخطاب كيف يمكن للصورة، عندما تُفصل عن سياقها، أن تدفع النقاش نحو الخوف بدل البحث في أسباب الهجرة ومساراتها الآمنة، وهو ما يتقاطع مع الهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة، وتحديدًا الغاية 10.7 الداعية إلى تيسير الهجرة المنظمة والآمنة والنظامية والمسئولة.

حدود أكثر صلابة

قصة سبتة لا تبدأ في 2026 وحدها. فمنذ أزمة اللاجئين عام 2015، اتجه الاتحاد الأوروبي بصورة متزايدة إلى تشديد حدوده وتقليص مسارات الدخول القانونية، إلى جانب الاعتماد على دول من خارج الاتحاد للقيام بجزء من مهمة ضبط الهجرة.

ويرى تريلينغ أن هذه السياسة منحت دولًا مثل المغرب أداة ضغط يمكن استخدامها في أوقات الخلاف السياسي. وسبق أن شهدت سبتة مشهدًا مشابهًا عام 2021، عندما عبر نحو 10 آلاف شخص خلال أزمة دبلوماسية بين المغرب وإسبانيا. وظهرت نماذج قريبة في العلاقة بين تركيا واليونان عام 2020، كما اتهمت بولندا بيلاروسيا مرارًا بتشجيع مهاجرين على التوجه نحو حدود منطقة شنغن.

وبهذا المعنى، تكشف الهجرة غير الشرعية مفارقة في سياسات الردع الأوروبية: كلما تقلصت المسارات المنظمة، اتجه بعض الأشخاص إلى طرق أكثر خطورة، وعندما تنجح مجموعات كبيرة في اختراق الحدود دفعة واحدة، تنتج مشاهد صادمة تُستخدم لاحقًا للمطالبة بالمزيد من الحواجز والإجراءات الأمنية.

حدود أكثر صلابة

طرق أكثر أمانًا

تتقاطع هذه الحلقة مباشرة مع الهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالحد من أوجه عدم المساواة، وتحديدًا الغاية 10.7 التي تدعو إلى تيسير الهجرة والتنقل المنظم والآمن والمسئول من خلال سياسات مخططة ومدارة جيدًا.

وتكتسب هذه الغاية معناها الإنساني عندما يصبح البديل عن المسار المنظم سباحة حول سياج حدودي أو رحلة قد تنتهي في البحر. فإدارة الهجرة غير الشرعية تتصل بوجود مسارات تقلل دوافع اللجوء إلى الطرق التي تهدد حياة البشر.

وفي اجتماع طارئ، أكد وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي أن منطقة شنغن كانت غير مهددة بالأعداد التي وصلت إلى سبتة، لكن التداعيات السياسية استمرت، ووقع 22 مسؤولًا أوروبيًّا رسالة تدعو إلى حدود أقوى، بينما ظهرت مواقف أخرى تحاول الجمع بين تشديد الرقابة وفتح مسارات آمنة.

بعد أن تهدأ الصور

خلال أيام قليلة، عاد معظم العابرين، وهدأت شوارع سبتة، لكن الصور بقيت في المجال العام. وهذا ربما يكون أكثر ما تكشفه الأزمة: الحدث يمكن أن ينتهي أسرع بكثير من الرواية السياسية التي يولدها.

ومن هنا تبرز أهمية التعامل مع الهجرة غير الشرعية باعتبارها قضية تبدأ قبل وصول الإنسان إلى الحدود؛ من فرص العمل، ومسارات التنقل المتاحة، والمعلومات التي تصل إلى هاتفه، والعلاقات بين الدول، وصولًا إلى الطريقة التي تُستخدم بها صور المهاجرين في تشكيل الرأي العام.

وفي هذا السياق، تلفت مؤسسة حماة الأرض إلى أن تحقيق تنقل أكثر أمنًا واستدامة يرتبط بقدرة السياسات على حماية الإنسان إلى جانب إدارة الحدود، فالأرقام التي ملأت نشرات الأخبار في سبتة كانت في النهاية أشخاصًا تحركوا بحثًا عن مستقبل أفضل، وبعضهم لم يصل إلى الضفة الأخرى.

وحين تختفي آخر صورة من الشاشة، يبقى السؤال الذي تطرحه سبتة: هل تمنع الحدود الأكثر صلابة رحلة الهجرة المقبلة، أم تجعل الطريق إليها أكثر خطورة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى