صناعات مستدامة

أوروبا تشدد قواعد التغليف المستدام للحد من البلاستيك والمواد الكيميائية الأبدية

التغليف المستدام

أوروبا تشدد قواعد التغليف المستدام للحد من البلاستيك والمواد الكيميائية الأبدية

من علب الوجبات الجاهزة إلى زجاجات المياه وعبوات التسوق اليومية، تدخل أوروبا مرحلة جديدة في التعامل مع النفايات بعد بدء تطبيق قواعد تستهدف دفع السوق نحو التغليف المستدام، والحد من استخدام البلاستيك المصنوع من الوقود الأحفوري، وفرض قيود على مواد كيميائية شديدة الثبات تُعرف باسم المواد الكيميائية الأبدية.

وتأتي القواعد الجديدة بعد ارتفاع نفايات التغليف في الاتحاد الأوروبي بأكثر من 20% في العقد الأخير، مدفوعة بانتشار التسوق عبر الإنترنت وأنماط الاستهلاك السريع. ومع ما تنتجه أوروبا من نحو 180 كيلوجرامًا من نفايات التغليف سنويًّا، باتت العبوة نفسها جزءًا من نقاش أوسع حول الصحة والموارد والاقتصاد الدائري.

عبوات تحت المجهر

إنَّ صناعة التغليف تمثل نحو 40% من عمليات استهلاك البلاستيك في أوروبا، ما يجعل التحول نحو التغليف المستدام قضية تتجاوز إدارة المخلفات إلى تقليل الاعتماد الاقتصادي على المواد الخام المرتبطة بالنفط، خاصة مع ما قد تسببه اضطرابات الإمدادات العالمية من ضغوط على الأسواق.

ومن جهة أخرى يبلغ متوسط نفايات التغليف في الاتحاد الأوروبي نحو 180 كيلوجرامًا سنويًّا للفرد الواحد، بينها 35 كيلوجرامًا من البلاستيك المصنوع من الوقود الأحفوري، في حين أنه لم يُعَدْ تدويرُ سوى 42% من هذه النفايات عامَ 2023.

وفي محاولة لمواجهة هذه الزيادة المتسارعة في حجم العبوات التي تدخل السوق الأوروبي ثم تتحول إلى نفايات؛ تعيد التشريعات الجديدة صياغة قواعد يعود بعضها إلى تسعينيات القرن الماضي؛ سعيًا إلى الالتزام بجهود الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة: الاستهلاك والإنتاج المسئولين.

التلوث البلاستيكي

قيود على المواد الأبدية

تبدأ أُولى الإجراءات بفرض حدود قصوى على مواد (PFAS) “المواد الكيميائية الأبدية” في العبوات الملامسة للغذاء، إلى جانب مطالبة المصنعين بتوفير معلومات تسمح للسلطات بتتبع مصدر العبوة عند ظهور مخاوف مرتبطة بسلامتها.

وتُستخدم هذه المواد في منتجات كعلب الطعام الجاهز، وأوراق المخبوزات، وعلب البيتزا، لقدرتها على مقاومة الماء والدهون. لكن تكمن المشكلة في أنَّ هذه المواد لا تتحلل طبيعيًّا بسهولة، ويمكن أنْ تنتقل إلى المياه والهواء والتربة والغذاء!

وتراكُم هذه الموادِ يسبب أخطارًا صحية تهدد حياة الإنسان، ومن بين هذه الأخطار:

  • بعض أنواع السرطان
  • أمراض الكلى
  • اضطرابات المناعة
  • مضاعفات الحمل
  • مشكلات نمو الأطفال

ومن هنا فإنَّ العلاقةَ واضحةٌ بين التغليف المستدام وتقليل كمية البلاستيك، وكذلك هناك علاقة بينه وبين نوعية المواد التي تلامس الغذاء؛ مما يتقاطع تقاطعًا مباشرًا مع الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالصحة الجيدة والرفاه؛ إذْ تصبح سلامة المواد المستخدمة في العبوات جزءًا من تقليل التعرض اليومي لمصادر قد تحمل أخطارًا صحية طويلة الأمد.

تلوث البلاستيك

2030 نقطة التحول

بالرغم من بدء تطبيق بعض القيود الآن، فإنَّ الجزء الأكبر من التحول سيظهر في أثناء السنوات المقبلة؛ إذْ مِن المقرر أنْ يُطبَّقَ نظامٌ موحدٌ في عام 2028 على مستوى الاتحاد الأوروبي، بوضع ملصقات تساعد المستهلكين على فرز نفايات التغليف بصورة أكثر كفاءة.

أمَّا عام 2030 فسيكون نقطة تحول بالغة الأهمية في القواعد الجديدة؛ إذْ يستهدف الاتحاد الأوروبي خفض نفايات التغليف بنسبة 5% بحلول هذا العام، ثم 15% بحلول 2040، وهذا مقارنة بمستويات عام 2018.

وستتطلب القواعد الجديدة أيضًا أنْ تكون العبوات قابلة لإعادة التدوير بطريقة مجدية اقتصاديًّا، إلى جانب تحديد أهداف لإعادة الاستخدام، وحظر بعض أشكال العبوات أحادية الاستخدام، وفرض حدود على المساحات الفارغة داخل العبوات.

من الاستهلاك إلى الاسترداد

تشمل الإجراءات كذلك تطبيق أنظمة إلزامية لاسترداد العبوات مقابل حافز مالي عند إعادة العلب المعدنية والزجاجات البلاستيكية، بما يشجع على إعادة جمع المواد وإدخالها مجددًا في دورة الاستخدام. وتعمل أوروبا بالتوازي مع ذلك على تصدير النفايات؛ فقد دخل قانون آخر لتنظيم صادرات النفايات البلاستيكية حيز التنفيذ في مايو الماضي، بهدف ضمان التعامل معها بصورة أكثر استدامة بعد عقود من تصدير أجزاء كبيرة من نفايات الاتحاد إلى دول أخرى، حيث انتهى بعضها إلى التخلص غير السليم.

كما تعتزم المفوضية الأوروبية إطلاق مشاورات في وقت لاحق من العام بشأن الملصقات الموحدة؛ كي يمكن توضيح طريقة التخلص من العبوات للمستهلك بأسلوب يسير. وهذا الجانب قد يكون حاسمًا في نجاح مفهوم التغليف المستدام؛ فوجود عبوة قابلة للتدوير لا يضمن وحده دخولها فعليًّا إلى مسار إعادة التدوير إذا لم يعرف المستهلك أين يضعها أو كيف يفرزها.

مهلة قبل العقوبات

لن يعني دخول القواعد الجديدة حيز التنفيذ اختفاء المنتجات غير المتوافقة من الأسواق فورًا؛ إذْ يُفترض -بحسب مسئول في الاتحاد الأوروبي- أنْ تبدأ الدول الأعضاء بإصدار تحذيرات موجهة إلى الشركات بدلًا من أنْ تفرض العقوبات عليها مباشرة؛ وهذا لمنح المصنعين وقتًا يستطيعون فيه معالجة المشكلات وتعديل منتجاتهم بما يتناسب مع القواعد الجديدة.

هل تتغير ثقافة العبوة؟

تكشف القواعد الأوروبية الجديدة أنَّ مستقبل التغليف سوف يتحدد بنوعية المواد الكيميائية، وإمكانية إعادة الاستخدام، وكفاءة التصميم، وقدرة المستهلك على التخلص من العبوة بطريقة صحيحة.

وفي الختام، فإنَّ مؤسسة حماة الأرض تشير إلى أنَّ الانتقال إلى التغليف المستدام يتطلب النظر إلى العبوة باعتبارها جزءًا من دورة كاملة تبدأ من اختيار المواد والتصميم، وتمر باستخدام المستهلِك، وتنتهي بإعادة الجمع أو التدوير، بدل أنْ تتحول سريعًا إلى عبء بيئي جديد.

ومع اقتراب 2030 سيكون الاختبار الحقيقي الذي تواجهه القواعد الأوروبية الجديدة هو قدرتها على تحويل هذه الأهداف من نصوص تنظيمية إلى تغيير ملموس في رفوف المتاجر وسلوك الشركات والمستهلكين، بحيث تصبح العبوة الأقل هدرًا والأكثر أمانًا هي القاعدة لا الاستثناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى