تفكيك شبكة رصد المحيطات OOI في أمريكا يثير غضب النواب ويهدد جهود مواجهة تغير المناخ

تفكيك شبكة رصد المحيطات OOI في أمريكا يثير غضب النواب ويهدد جهود مواجهة تغير المناخ
أصبحت القدرة على جمع البيانات البيئية وتحليلها عنصرًا من عناصر مكافحة تغير المناخ؛ وهذا لأنَّ النماذج العلمية المناخية الحديثة تعتمد على تدفق المعلومات الدقيقة لحظةً بعد أخرى لرصد التحولات المناخية وقياس آثارها في كثير من مناحي الحياة برًّا وبحرًا.
وبخصوص البحار والمحيطات تحديدًا يظهر أنَّ لها موقعًا محوريًّا ضمن منظومات الرصد العالمية؛ لما لها من دور بالغ الأهمية في توزيع درجات الحرارة، وامتصاص الكربون وتخزينه، والتأثير في الأنماط المناخية المتغيرة على نطاق واسع.
وعلى ذلك يستفيد منها الباحثون وصناع القرار -عبْر شبكات الرصد- بيانات متخصصة تمكنهم من فهم تغيرات درجات الحرارة، والتيارات البحرية، وقياس مستويات حموضة المحيطات (انخفاض تدريجي في الرقم الهيدروجيني لمياه المحيط بسبب امتصاصه الكربونَ من الغلاف الجوي)؛ وحينها يستطيعون تطوير استجابة ذات فاعلية تجاه المشكلات البيئية المتصاعدة، الأمر الذي يحقق الهدف رقم (13) العمل المناخي.
وفي ظل هذا الاعتماد الرئيسي على البيانات البحرية في دعم أبحاث مكافحة المناخ، أصبحت استمرارية شبكات الرصد قضية تتجاوز حدود البحث العلمي إلى نطاق صنع السياسات العامة وإدارة الأخطار البيئية، وهذا ما تواجهه إحدى أهم شبكات الرصد في الولايات المتحدة الأمريكية.
شبكة رصد المحيطات الأمريكية
في الأسابيع الماضية أثار قرار المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم (NSF) البدء في تفكيك أجزاء من شبكة رصد المحيطات الأمريكية Ocean Observatories Initiative (OOI) جدلًا واسعًا داخل الأوساط العلمية والسياسية، وسط تحذيرات من تأثير هذه الخطوة في الأبحاث المناخية وقدرة علماء المناخ على متابعة الظواهر البحرية المتطرفة؛ مما قد يمنع من تحقيق هدف: الحياة تحت الماء.

ما دور شبكة رصد المحيطات الأمريكية؟
قبل فهم أسباب الجدل الدائر حاليًّا، من المهم التعرف على شبكة رصد المحيطات الأمريكية التي تعد واحدة من أهم البنى التحتية العلمية لدراسة المحيطات وملف تغير المناخ. وهي مبادرة أُنشئت بدعم من المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم، وصُممت لتعمل على توفير بيانات مستمرة تساعد الباحثين على فهم التغيرات التي تشهدها المحيطات والأنظمة البيئية البحرية.
وتضم الشبكة أكثر من 900 جهاز ومستشعر متطور موزعة على خمس مناطق رصد في المحيطين الأطلسي والهادئ، حيث تُجمع بيانات فيزيائية وكيميائية وجيولوجية وبيولوجية بصورة دائمة. ويستفيد العلماء من هذه البيانات في دراسة موجات الحر البحرية والفيضانات الساحلية، وتقييم تحمض المحيطات، وقياس قدرة البحار على احتجاز الكربون، إضافة إلى دراسة النظم البيئية في أعماق البحار.
لماذا يثير تفكيك الشبكة مخاوف العلماء؟
أعلنت شبكة رصد المحيطات في مايو الماضي بدء استعادة أكثر من 900 جهاز موزعة على أربع مناطق تشغيلية، وهي عملية يُتوقع أنْ تستغرق حوالي 15 شهرًا؛ الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة داخل الأوساط العلمية والسياسية الأمريكية.
وقد طالب عشراتُ المشرعين الأمريكيين المؤسسةَ الوطنية للعلوم بالتراجع عن هذه الخطوة، معتبرين تفكيكَ الشبكةِ خسارةً فادحةً؛ لأنها خسارةٌ لأحد أهم مصادر البيانات المتعلقة بالمحيطات والمناخ. ويأتي ذلك بالتزامن مع اقتراحات تنص على تقليص ميزانية المؤسسة الوطنية للعلوم بنسبة 55% في العام الجاري، لتتراجع من 9 مليارات دولار إلى نحو 4 مليارات دولار، إلى جانب إلغاء منح بحثية تبلغ قيمتها 1.5 مليار دولار.
ويرى معارضو القرار أنَّ فقدان تلك البيانات الكثيرة التي توفرها الشبكة قد يؤثر في قدرة الولايات المتحدة وشركائها الدوليين على متابعة الظواهر البحرية والمناخية، كما حذر بعضُ المشرعين من أنَّ تراجع برامج الرصد الأمريكية قد يزيد من الاعتماد على البيانات التي توفرها دول أخرى، وفي مقدمتها الصين!
ما علاقة المحيطات بتنظيم مناخ الأرض؟
وتمتد أهمية الشبكة -شبكة رصد المحيطات الأمريكية- إلى متابعة أحد أهم الأنظمة المؤثرة في مناخ الأرض، وهو نظام “انقلاب المحيط الأطلسي” (بالإنجليزية: Atlantic meridional overturning circulation)؛ وهو النظام المسئول عن نقل الحرارة بين أرجاء الكرة الأرضية، مما يساعد على تنظيم درجات الحرارة العالمية.
ويحذر العلماء منذ سنوات من اقتراب هذا النظام من نقطة تحول حرجة؛ نتيجة تغير المناخ وارتفاع درجات حرارة الأرض، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة حدة الظواهر المناخية، وارتفاع الفوارق الحرارية بين المناطق الاستوائية والقطبية.
ومِن هنا تساعد البيانات التي توفرها شبكة رصد المحيطات في متابعة هذه التغيرات بصورة مستمرة، بما يتيح للعلماء فهم التطورات المحتملة، واتخاذ إجراءات أكثر فاعلية للتكيف مع تغير المناخ؛ وهذا يبرز ما تتمتع به شبكات الرصد البحري من قيمة عملية خارج نطاق الأبحاث العلمية.

فوائد البيانات البحرية اجتماعيًّا واقتصاديًّا
ومما يدخل في نطاق فوائد البيانات البحرية ذلك الدورُ الذي تؤديه بالاستعداد للكوارث الطبيعية، وحماية المجتمعات الساحلية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبحار عبْر آليات الإنذار المبكر، ثم المساعدة على متابعة ظواهر مناخية دورية ناتجة عن تغير المناخ مثل ظاهرة النينيو، التي تؤثر في أنماط الأمطار والجفاف وموجات الحر في مناطق كثيرة من العالم.
البيانات العلمية واستشراف الأخطار المستقبلية
ومما تكشفه أزمة تفكيك شبكة رصد المحيطات الأمريكية، هو أنَّ البيانات العلمية أصبحت جزءًا من البنية التحتية اللازمة لمواجهة تغير المناخ، شأنها في ذلك شأن شبكات الطاقة أو أنظمة الإنذار المبكر؛ ولذلك كله تتعاظم أهمية الحفاظ على برامج الرصد الطويلة الأجل، تلك البرامج المساعِدة على فهم المحيطات والتنبؤ بالأخطار المناخية المستقبلية.
وفي ضوء هذه التطورات تنظر مؤسسة حماة الأرض بعين فاحصة إلى تأثير هذا في موقع المعرفة العلمية داخل أنظمة مكافحة المناخ؛ ومِنْ ثَمَّ تؤكد أنَّ مستقبل العمل المناخي يتحدد بمدى استعداد الدول للحفاظ على البنية المعرفية التي تسمح بفهم التحولات الجارية، قبل أنْ تصير أزمة عالمية يصعب احتواؤها؛ فتعوقَ جهودَ تحقيقِ أهداف التنمية المستدامة.




