بنك إنجلترا يستبعد سندات الفحم ويشدد القيود على الوقود الأحفوري في النظام المصرفي
بدأت الضغوط المفروضة على الوقود الأحفوري تتخذ مسارًا ماليًّا أكثر وضوحًا، بعدما قرر بنك إنجلترا استبعاد السندات المرتبطة بالفحم الحراري من الأصول التي يمكن للبنوك التجارية استخدامها ضمانًا للحصول على القروض. ويضع القرار واحدًا من أكثر أنواع الطاقة تلويثًا أمام تحدٍّ جديد، يتجاوز الانتقادات البيئية ليصل إلى قيمته واستخدامه داخل النظام المصرفي.
ومن المقرر أن تدخل السياسة الجديدة حيز التنفيذ خلال أكتوبر 2026، في خطوة اعتبرها نشطاء المناخ انتصارًا قد يدفع البنوك التجارية إلى إعادة التفكير في الاحتفاظ بأصول مرتبطة بالفحم. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول استثمارات الوقود الأحفوري إلى أصول معرضة لفقدان قيمتها، مع اتجاه الاقتصادات تدريجيًّا نحو الطاقة النظيفة والحياد الكربوني.
يقدم بنك إنجلترا بصورة منتظمة قروضًا إلى البنوك التجارية، مثل Barclays وLloyds وNatWest وHSBC، لمساعدتها على تسوية المعاملات والحفاظ على استمرار عملياتها المالية بسلاسة.
وتلتزم هذه البنوك بتقديم ضمانات مقابل القروض التي تحصل عليها من البنك المركزي، وغالبًا ما تكون تلك الضمانات في صورة سندات مالية. وفي حال عدم قدرة أحد البنوك على سداد القرض، يصبح من حق البنك المركزي الاحتفاظ بالأصول المقدمة إليه.
وبموجب السياسة الجديدة، لن تتمكن البنوك من تقديم السندات المرتبطة بشركات الفحم الحراري ضمن هذه الضمانات. ولا يعني ذلك حظر البنوك من امتلاك تلك السندات أو تمويل شركات الفحم مباشرة، لكنه يسحب منها ميزة مهمة كانت تسمح باستخدامها للحصول على السيولة من بنك إنجلترا.
وقد يؤدي هذا التغيير إلى تقليل جاذبية تلك السندات بالنسبة إلى المؤسسات المالية، خاصة أن قدرة الأصل على استخدامه بوصفه ضمانًا تمثل أحد العوامل التي تحدد قيمته وفائدته داخل المحافظ المصرفية.
ويمثل الفحم الحراري أحد أنواع الوقود الأحفوري، ويستخدم بصورة أساسية في محطات توليد الكهرباء. كما يعد من أكثر مصادر الطاقة تسببًا في الانبعاثات الكربونية، وهو ما جعله هدفًا رئيسيًّا للسياسات المناخية والحملات المطالبة بتسريع التحول في الطاقة.
لماذا أصبح الفحم خطرًا ماليًّا؟
يرى بنك إنجلترا أن شركات الفحم الحراري قد تواجه مخاطر مالية ناتجة عن انتقال الاقتصاد نحو تحقيق الحياد الكربوني. فمع توسع استخدام الطاقة المتجددة وتشديد القيود البيئية، قد ينخفض الطلب على الفحم وتتراجع أرباح الشركات العاملة فيه.
ويمكن أن يؤدي هذا التحول إلى هبوط قيمة السندات الصادرة عن تلك الشركات، ما يعرض المؤسسات التي تحتفظ بها لخسائر محتملة. وبهذا أصبحت المخاطر المرتبطة بالوقود الأحفوري جزءًا من حسابات الاستقرار المالي، وليست قضية بيئية منفصلة عن عمل البنوك المركزية.
ويتسق هذا التوجه مع الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة، المعني بتوسيع الاعتماد على الطاقة النظيفة، والهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي، اللذين يشجعان على تسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات والحد من المخاطر المرتبطة بتغير المناخ.
كما أعلن بنك إنجلترا أنه سيخفض القيمة التي يحتسب بها بعض السندات الصادرة عن قطاعات أخرى معرضة لمخاطر التحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات. ويهدف هذا الإجراء إلى حماية ميزانيته من الخسائر التي قد تنتج عن التراجع السريع في قيمة تلك الأصول.
وقالت إيلي ماكلولين، مديرة السياسات والمناصرة في مجموعة “بوزيتيف موني”، إن القرار يرسل إشارة قوية من أحد البنوك المركزية إلى الأسواق المالية، لأن استبعاد سندات الفحم يعكس تغيرًا في تقييم المخاطر المرتبطة بها.
كيف يؤثر القرار في البنوك؟
يأمل نشطاء المناخ أن تدفع السياسة الجديدة البنوك التجارية إلى مراجعة تعاملاتها مع شركات الفحم، خاصة أن الاحتفاظ بسندات غير مقبولة باعتبارها ضمانًا لدى البنك المركزي قد يصبح أقل فائدة.
وقد تظهر التأثيرات المحتملة للقرار في عدة اتجاهات:
تراجع جاذبية سندات الفحم الحراري لدى البنوك والمؤسسات الاستثمارية.
إعادة تقييم الأصول المرتبطة بالوقود الأحفوري داخل المحافظ المصرفية.
زيادة تكلفة التمويل بالنسبة إلى بعض الشركات العاملة في قطاع الفحم.
دفع البنوك إلى توجيه جزء أكبر من استثماراتها نحو قطاعات أقل تعرضًا لمخاطر التحول في الطاقة.
تعزيز الاعتراف بأن الأصول كثيفة الانبعاثات قد تحمل مخاطر مالية طويلة الأجل.
وتفرض نحو 150 مؤسسة مالية كبرى حول العالم بالفعل قيودًا بدرجات مختلفة على تعاملاتها مع قطاع الفحم الحراري، وفقًا لبيانات نشرتها منظمة “ريكليم فاينانس” غير الربحية ومقرها باريس.
وتأتي سياسة بنك إنجلترا أكثر تشددًا من القواعد المعمول بها لدى عدد من نظرائه الغربيين، ومن بينهم البنك المركزي الأوروبي. ولذلك قد تضع الخطوة ضغوطًا إضافية على بنوك مركزية أخرى لمراجعة الأصول المرتبطة بالفحم التي تقبلها ضمن عملياتها التمويلية.
خطوة محدودة أمام تمويل الوقود الأحفوري
يرى النشطاء أن فعالية القرار ستعتمد على تفاصيل تطبيقه، خاصة الطريقة التي سيستخدمها بنك إنجلترا لتقدير المخاطر المناخية وتحديد مقدار التخفيض الذي سيفرضه على قيمة السندات في القطاعات الأخرى.
كما يطالبون بتوسيع الاستبعادات لتشمل جميع الأنشطة التي توصف بأنها شديدة الضرر، ومنها مشروعات التوسع الجديدة في الوقود الأحفوري والأنشطة المرتبطة بإزالة الغابات.
فالقرار الحالي يركز بصورة مباشرة على الفحم الحراري، ولا يمتد إلى جميع استثمارات النفط والغاز. ولذلك يظل تأثيره محدودًا في مواجهة الحجم الكبير للتمويل الذي تحصل عليه صناعات الوقود الأحفوري من المؤسسات المالية العالمية.
وتزداد صعوبة تشديد هذه السياسات في ظل تصاعد المعارضة للخطط البيئية في الولايات المتحدة، وتراجع عدد من الشركات والمؤسسات المالية عن بعض تعهداتها المناخية بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
ومع ذلك، يحمل قرار بنك إنجلترا أهمية رمزية ومالية، لأنه يوضح أن التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري بدأ يغير القواعد التي تحدد قيمة الأصول المقبولة داخل الأنظمة المصرفية.
وقد لا يؤدي استبعاد سندات الفحم إلى وقف تمويل القطاع فورًا، لكنه يقلل من المزايا المالية التي تحصل عليها تلك الأصول، ويجعل البنوك أكثر حذرًا عند تقييم مخاطر الاحتفاظ بها.
وختامًا، رغم أن القرار يقتصر على السندات المرتبطة بالفحم الحراري، فإنه يكشف عن تحول أعمق في طريقة تعامل المؤسسات المالية مع المخاطر، إذ أصبحت قيمة الأصول تُقاس بقدرتها على الصمود في اقتصاد يتجه تدريجيًّا نحو خفض الانبعاثات. ومع اتساع هذا النهج، قد يصبح التمويل أحد أبرز الأدوات التي تعيد رسم مستقبل قطاع الطاقة، عبر إعادة تسعير مخاطر الوقود الأحفوري داخل الأسواق المالية.
وفي هذا السياق، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أهمية توجيه التمويل نحو الأنشطة التي تدعم التحول في الطاقة، مع إدماج المخاطر البيئية في قرارات البنوك والمؤسسات الاستثمارية، بما يسهم في تقليل الانبعاثات وتعزيز استقرار الاقتصاد على المدى الطويل.