أخبار الاستدامة

حرائق الغابات تلتهم مساحات واسعة في الجزائر وتودي بحياة 6 أشخاص

حرائق الغاباتحرائق الغابات تلتهم مساحات واسعة في الجزائر وتودي بحياة 6 أشخاص

خلال 24 ساعة فقط، انتقلت فرق الإطفاء بين عشرات البؤر المشتعلة في أنحاء متفرقة من الجزائر، بينما اقتربت النيران من المنازل والمنشآت الصحية، ودفعت السلطات إلى تنفيذ عمليات إجلاء وقائية في عدد من الولايات. ومع تسجيل 154 حريقًا ووفاة ستة أشخاص، عادت حرائق الغابات إلى الواجهة بوصفها أزمة تهدد السكان والغطاء النباتي في وقت واحد.

وبلغت حالة الطوارئ ذروتها في 18 يوليو 2026، عندما سُجلت حرائق في الغابات والأحراش والأراضي الزراعية عبر مناطق شمالية وشمالية شرقية ووسطى وغربية. وتمكنت فرق الطوارئ من إخماد 138 حريقًا، بينما استمرت عمليات السيطرة على 16 بؤرة أخرى وقت صدور البيانات.

ويكشف اتساع النطاق الجغرافي للنيران حجم الضغط الذي واجهته فرق الحماية المدنية، إذ توزعت الحرائق بين ولايات عنابة وسوق أهراس وسكيكدة وقالمة والبويرة والمدية وميلة ومعسكر والطارف وجيجل وسطيف وبجاية وتلمسان، إلى جانب ولايات أخرى.

154 حريقًا خلال يوم واحد

انتشرت حرائق الغابات في الجزائر عبر عدد كبير من المواقع خلال فترة زمنية قصيرة، ما اضطر فرق الطوارئ إلى توزيع الأفراد والمعدات والآليات على مناطق متباعدة، وزاد من صعوبة تطويق النيران والسيطرة عليها سريعًا.

ويزيد تعدد البؤر المشتعلة من تعقيد عمليات الإطفاء؛ فكل حريق يحتاج إلى مراقبة مستمرة حتى بعد السيطرة عليه، خاصة مع استمرار الحرارة وجفاف النباتات واحتمال تجدد الاشتعال. ولهذا لم تنتهِ الاستجابة بمجرد إخماد معظم الحرائق، إذ واصلت الفرق عمليات التبريد والمراقبة لتجنب عودة النيران إلى المناطق التي جرى تأمينها.

وعكست سرعة التحرك حجم الاستنفار الرسمي، حيث قادت الحكومة الجزائرية استجابة منسقة شاركت فيها الحماية المدنية والجيش والمديرية العامة للغابات والسلطات المحلية والمؤسسات المعنية، إلى جانب المتطوعين.

154 حريقًا خلال يوم واحد

حرائق الغابات تقترب من المنازل والمستشفيات

تحولت الأزمة من تهديد للغطاء النباتي إلى خطر مباشر على السكان، بعدما أكدت وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل وفاة ستة أشخاص نتيجة الحرائق.

وفي منطقة سرايدي بولاية عنابة، جرى إجلاء أكثر من 100 مريض من مستشفى لإعادة التأهيل، مع اقتراب النيران من محيط المنشأة. كما تضرر أو تعرض للتهديد نحو 150 منزلًا، ما استدعى تنفيذ عمليات إجلاء لحماية السكان قبل وصول النيران إلى المناطق السكنية.

وشملت عمليات الإجلاء الوقائي مناطق في الطارف وبجاية وقالمة والبويرة، في مؤشر على اتساع دائرة الخطر. ويظهر انتقال النيران إلى محيط المستشفيات والقرى كيف يمكن لحرائق الغابات أن تؤثر في الخدمات الأساسية، وتفرض على السلطات التعامل في الوقت نفسه مع عمليات الإطفاء والإجلاء والإغاثة.

وإلى جانب فرق الطوارئ، حشد الهلال الأحمر الجزائري لجانه المحلية ومتطوعيه وموارده اللوجستية منذ بداية الأزمة، وقدم الإسعافات الأولية ومياه الشرب والمساعدات الغذائية والدعم النفسي والاحتياجات الإنسانية الأساسية للسكان وفرق الاستجابة.

3719 حريقًا منذ بداية مايو

تكشف الأرقام التراكمية أن ما حدث في 18 يوليو ليس واقعة منفصلة، فلقد جاء ضمن موسم شهد زيادة حادة في عدد الحرائق؛ فمنذ بداية يوليو، سجلت الجزائر 1460 حريقًا في أنحاء البلاد، بينما ارتفع العدد منذ بداية مايو إلى 3719 حريقًا. وفي المقابل، بلغ عدد الحرائق خلال الفترة نفسها من عام 2025 نحو 1501 حريق.

وهذا يعني أن عدد الحرائق ارتفع إلى أكثر من الضعف مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يفرض ضغطًا أكبر على أجهزة الحماية المدنية والغابات والسلطات المحلية. كما يرفع هذا التصاعد الحاجة إلى مراقبة المناطق المعرضة للاشتعال بصورة مستمرة، خاصة خلال فترات الحرارة المرتفعة.

وبحسب المدير الفرعي للإعلام بمديرية الدفاع المدني نسيم برناوي، تمكنت فرق الاستجابة من احتواء ما بين 85% و90% من الحرائق عبر عمليات مشتركة شاركت فيها أجهزة الدولة والمتطوعون، بينما تواصلت الجهود لإخماد البؤر المتبقية ومنع امتدادها.

المساحات المحترقة تتجاوز ثلاثة أمثال العام الماضي

ارتفعت مساحة الغطاء النباتي المتضرر بالتوازي مع زيادة عدد الحرائق. ووفق بيانات المديرية العامة للغابات، دمرت النيران أكثر من 3967 فدانًا من الغطاء النباتي والغابات والأراضي المتضررة، مقابل نحو 1112 فدانًا خلال الفترة نفسها من عام 2025.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المساحة المحترقة تجاوزت ثلاثة أمثال المساحة المسجلة خلال العام السابق، بما يحمله ذلك من آثار بيئية واقتصادية قد تمتد إلى ما بعد موسم الحرائق. فالغابات والنباتات الطبيعية تسهم في حماية التربة، والحفاظ على موائل الكائنات الحية، ودعم الأنشطة الزراعية وسبل معيشة المجتمعات المحلية.

ويرتبط هذا التدهور مباشرة بالهدف الخامس عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بحماية النظم البيئية البرية، كما يتصل بالهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي، في ظل ما تفرضه موجات الحرارة والجفاف من ضغوط متزايدة على الغطاء النباتي.

وقد يؤدي فقدان هذا الغطاء إلى زيادة تعرض التربة للتدهور، وإضعاف قدرة المناطق المتضررة على مواجهة موجات الحرارة والجفاف اللاحقة، ما يوسع الحاجة إلى إعادة التأهيل والمراقبة واستعادة النظم البيئية بعد انتهاء مرحلة الإطفاء.

موجة الحر تغذي النيران

تزامن تصاعد حرائق الغابات مع موجة حر ممتدة ضربت شمال الجزائر، وأسهمت في توفير ظروف تساعد على انتشار النيران. فمع ارتفاع درجات الحرارة، تفقد الأعشاب والأشجار جزءًا كبيرًا من رطوبتها، لتصبح أكثر قابلية للاشتعال.

ويضاف إلى ذلك جفاف النباتات وصعوبة التضاريس في عدد من المناطق الجبلية، الأمر الذي يعرقل وصول فرق الإطفاء والآليات الثقيلة إلى بعض البؤر. كما يظل خطر تجدد النيران قائمًا حتى بعد السيطرة الأولية عليها، خاصة إذا بقيت جذوع الأشجار والتربة محتفظة بدرجات حرارة مرتفعة.

وتوضح هذه العوامل أن التعامل مع الحرائق يتطلب استمرار المراقبة والتبريد وتأمين المناطق المحيطة، مع الحفاظ على جاهزية فرق التدخل طوال فترات الخطر.

موجة الحر تغذي النيران

الوقاية تسبق موسم الاشتعال

تكشف الزيادة الكبيرة في عدد حرائق الغابات والمساحات المتضررة أهمية الجمع بين الاستجابة السريعة والإجراءات الوقائية التي تبدأ قبل ذروة الصيف، وتشمل هذه الإجراءات مراقبة المناطق شديدة الخطورة، وإزالة النباتات الجافة المتراكمة، وصيانة المسارات التي تستخدمها مركبات الإطفاء، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، إلى جانب إعداد خطط إجلاء واضحة للمستشفيات والقرى القريبة من الغابات.

كما تمثل مشاركة المجتمعات المحلية عنصرًا مهمًّا في تقليل الخسائر، من خلال الإبلاغ المبكر عن بؤر الدخان والالتزام بإرشادات السلامة ودعم فرق الطوارئ بالمعلومات المتعلقة بالطرق والمناطق السكنية المعرضة للخطر.

وكلما جرى اكتشاف الحريق في مراحله الأولى، ازدادت فرص تطويقه قبل امتداده إلى مساحات واسعة، وهو ما يخفف الضغط عن فرق الإطفاء ويقلل احتمالات انتقال النيران إلى المنازل والمنشآت الأساسية.

حرائق الغابات تهدد مسار التنمية

ترتبط حرائق الغابات مباشرة بالهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالعمل المناخي، والهدف الخامس عشر الخاص بحماية النظم البيئية البرية. كما تمتد آثارها إلى الهدف الثالث المتعلق بالصحة، والهدف الحادي عشر المعني ببناء مجتمعات محلية أكثر أمانًا وقدرة على مواجهة الكوارث.

فخسارة الغطاء النباتي لا تمثل قضية بيئية معزولة، إذ تتصل بصحة السكان وسلامة المنازل واستقرار النشاط الزراعي وقدرة أجهزة الطوارئ على حماية الخدمات الأساسية. كما تستهلك الحرائق موارد بشرية ولوجستية كبيرة، وتفرض تكاليف إضافية على المجتمعات المتضررة.

وفي الختام، تكشف حرائق الغابات التي شهدتها الجزائر خلال الموسم الحالي عن تصاعد واضح في حدة المخاطر المناخية واتساع آثارها على الإنسان والموارد الطبيعية في آنٍ واحد. فارتفاع عدد الحرائق والمساحات المتضررة خلال فترة زمنية قصيرة يضع إدارة الغابات والوقاية من الكوارث أمام تحديات متزايدة، ويؤكد أهمية الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، وإدارة الغطاء النباتي، ورفع جاهزية المجتمعات المحلية للتعامل مع مواسم الحرارة والجفاف.

وتؤكد مؤسسة حماة الأرض أن حماية الغابات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحفاظ على التوازن البيئي واستدامة الموارد الطبيعية، كما تمثل ركيزة أساسية لتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. وتسهم السياسات الوقائية، إلى جانب التعاون بين المؤسسات والمجتمعات المحلية، في تقليل الخسائر البشرية والبيئية، ودعم مسار التنمية المستدامة في مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى