شراء أشعة الشمس عند الطلب.. مشروع فضائي يختبر أهداف التنمية المستدامة

شراء أشعة الشمس عند الطلب.. مشروع فضائي يختبر أهداف التنمية المستدامة
تخطط شركة أمريكية لإطلاق أقمار صناعية تعكس بها أشعة الشمس ناحية الأرض حتى بعد الغروب؛ من أجل تشغيل ألواح المزارع الشمسية وقتًا أطول! فهل تخدم هذه الفكرة هدف الطاقة النظيفة، أم تهدد الظلام الطبيعي والمراصد الفلكية، وتواجه عقبات تقنية كبيرة؟
في هذا المقال تحاول مؤسسة حماة الأرض أنْ تجيبكم عن هذه الأسئلة، وذلك في ضوء أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، بما فيها من أبعاد اجتماعية واقتصادية وبيئية؛ فتابعوا القراءة.
ما هو ضوء الشمس؟
إنَّ ضوء الشمس هو الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي يبثه قرص الشمس، ويصل إلى الأرض في نحو ثماني دقائق، وهو يشتمل على الأشعة تحت الحمراء، التي نشعر بها في صورة حرارة، وجزءٍ صغير من الأشعة فوق البنفسجية.
وهنا يظهر سؤال ذو أهمية كبرى، هو: هل ضوء الشمس ضوء مترابط؟ والإجابة: لا؛ لأنَّ ضوء الشمس ضوء غير مترابط؛ إذْ إنَّ موجاته تصدر عشوائيًّا وبأطوال موجية مختلفة؛ ولهذا يصعب تركيز ضوء الشمس المنعكس في بقعة صغيرة بدقة مطلقة، وهو جزء من تحدي مشروع الأقمار الصناعية الليلية.
ما أهمية أشعة الشمس للإنسان والكوكب؟
وقبل الخوض في توضيح تفاصيل هذا المشروع الفضائي وأبعاده، يجب أنْ نعرف أنَّ أهمية أشعة الشمس تكمن في أنها أساس معظم أشكال الحياة؛ فهي:
- تُحرك البناء الضوئي الذي ينتج الأكسجين.
- تمكِّن الجسم من تصنيع “فيتامين د”.
- تنظم الساعة البيولوجية ودورة النوم.

ما هو مشروع “ضوء الشمس عند الطلب”؟
وبشكل أكثر تفصيلًا فقد أعلنت “شركة Reflect Orbital” في كاليفورنيا خطة لإطلاق كوكبة أقمار اصطناعية تعكس أشعة الشمس نحو الأرض حتى بعد غروبها، وتسمي الشركة تلك الخدمة بـ”ضوء شمس عند الطلب”.
وحول ذلك قالت الشركة إنَّ مرايا هذه الأقمار الصناعية ستوجِّه أشعة الشمس ناحيةَ مزارع الطاقة الشمسية، فتصبح مصدرًا إضافيًّا للطاقة النظيفة في ساعات الليل؛ ومن هنا قال مؤسسها “بن نواك” في فيديو على منصة “X”: «نعمل على توفير ضوء الشمس بعد غروبها من خلال تكنولوجيا بسيطة وفعالة».
الجدول الزمني والمواصفات
ولتشغيل ألواح مزارع الطاقة الشمسية حتى بعد الغروب، فإنَّ البداية التجريبية للمشروع تقوم على عدد من الخطوات المتلاحقة، وفي الجدول الآتي نفصلها لكم.
| العنصر | التفاصيل المعلنة |
| القمر التجريبي | خلال الشهرين الأخيرين من عام 2026 سيتم إطلاق القمر المسمَّى بـ Earendil-1، بعرض 18 مترًا |
| الهدف بحلول 2030 | نحو 4,000 قمر اصطناعي |
| عرض مرايا الأقمار | 54 مترًا |
| ارتفاع المدار | 625 كيلومترًا فوق سطح الأرض |
| الإنتاج المستهدف | ما يعادل 20% من ضوء شمس الظهيرة (نحو 200 واط/م²) |
كيف يرتبط المشروع بأهداف التنمية المستدامة؟
يلمس المشروع عدة أهداف مباشرة، بعضها يدعمه وبعضها يتعارض معه.
الهدف 7: طاقة نظيفة وبأسعار معقولة
إنَّ من أكبر عيوب الطاقة الشمسية هي أنها تتوقف ليلًا؛ فإنْ نجح عكس الضوء فقد يطيل ساعات التشغيل، وينتج طاقة نظيفة بمقدار أكبر؛ وهذه هي الحجة الأقوى لأنصار الفكرة.
الهدفان 9 و13: الابتكار والعمل المناخي
من جهة أخرى يمثل المشروع ابتكارًا جريئًا في البنية التحتية للطاقة، غير أنَّ العمل المناخي يقتضي حلولًا مجدية فعلًا؛ وعلى ذلك تتراجع قوة الحجة، كما سنرى في القسم الآتي من المقال.
الهدفان 12 و15: الاستهلاك المسئول
إنَّ الليل الطبيعي جزء من توازن النظم البيئية، فالكائنات الليلية تعتمد على الظلام، وهو ما جعل العلماء يحذرون -في بيان لمجموعة DarkSky International- من تلوث ضوئي اصطناعي هائل يعطل المراصد ويشوه رؤية السماء! أي أنَّ مثل هذه الأنشطة الفضائية غير المنضبطة قد تتعارض -بحسَب أراء علماء الفلك- مع مفهوم الاستهلاك والإنتاج المسئولين؛ وهذا الجدل يطرح تساؤلات مهمة حول حدود الابتكار ومدى تداخله مع التهديد البيئي المحتمل.
هل تنجح الفكرة تقنيًا؟
إذنْ، تشير المعطيات إلى عقبات جدية، منها:
- ضعف الضوء: ضوء قمر واحد أضعف بنحو 15,000 مرَّة من شمس الظهيرة.
- سطوع الضوء: يبقى الضوء المنعكس أكثر سطوعًا من القمر المكتمل نفسه.
- حجم المرآة العاكسة: تكرار ذلك من المدار يتطلب مرآة مساحتها 42 كيلومترًا مربعًا، وهو غير واقعي تقنيًّا.
- المدة القصيرة: يمر القمر الواحد فوق أي نقطة نحو 3.5 دقائق فقط، فللحصول على ساعة إضاءة متواصلة لا بُدَّ من إطلاق آلاف الأقمار الصناعية الإضافية.
وكل هذه التحديات دفعت “موقع The Conversation” إلى وصف المشروع بأنه فكرة غير عملية وخطيرة على البيئة الفلكية لكوكبنا، ويعوق من جهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة في السماء والأرض.
وعلى ذلك فإنَّ فكرة شراء أشعة الشمس عند الطلب تكشف عن مفارقة عميقة في مسار التقدم العلمي؛ فكلما اتسعت قدرة الإنسان على تطويع الطبيعة، ازدادت حاجته إلى فهم الحدود التي ينبغي أنْ تحكم تدخله فيها.
وذلك يدعو مؤسسة حماة الأرض إلى ضرورة التشديد على أنَّ مستقبل الطاقة النظيفة ينبغي أنْ يقوم على تنويع مصادرها، وتطوير وسائل تخزينها، ورفع كفاءة استخدامها، وتحديث شبكات الكهرباء؛ وهي مسارات تستحق المقارنة الجادة مع الحلول الفضائية المقترحة من حيث التكلفة والقدرة على التطبيق والأثر البيئي.




