صناعة أشباه الموصلات تتوسع وتمنح تايوان نفوذًا جديدًا في سباق الذكاء الاصطناعي

صناعة أشباه الموصلات تتوسع وتمنح تايوان نفوذًا جديدًا في سباق الذكاء الاصطناعي
تحولت أشباه الموصلات إلى واحدة من أهم أوراق القوة التي تعتمد عليها تايوان في علاقاتها الدولية، مع تزايد الطلب العالمي على الرقائق التي تشغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتقنيات المتقدمة.
وخلال معرض SEMICON Taiwan، سعت تايبيه إلى تقديم نفسها باعتبارها شريكًا ديمقراطيًّا وموثوقًا في الثورة التكنولوجية العالمية، مستفيدة من وجود شركات كبرى مثل TSMC، التي تصنع رقائق تدخل في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي حول العالم.
لكن هذه القوة تضع تايوان أيضًا أمام معادلة دقيقة؛ فالحلفاء الذين يعتمدون على تقنياتها يريدون في الوقت نفسه جذب جزء أكبر من تصنيع الرقائق إلى أراضيهم، وهو ما يحول صناعة أشباه الموصلات إلى مساحة تجمع بين التعاون والمنافسة والمصالح الجيوسياسية.
الرقائق تتحول إلى نفوذ
تعاني تايوان من عزلة دبلوماسية واسعة بسبب ضغوط بكين، التي تعتبر الجزيرة جزءًا من أراضيها وتسعى إلى الحد من حضورها الدولي. وفي مواجهة هذا الواقع، أصبحت التكنولوجيا وسيلة لتعزيز علاقات تايبيه مع شركاء يرون في استمرار قدرتها الإنتاجية عنصرًا مهمًّا لسلاسل الإمداد العالمية.
وخلال معرض SEMICON، أكد الرئيس التايواني لاي تشينج-تي أن توسع الشركات التايوانية عالميًّا يمكن أن يخلق قدرًا أكبر من المرونة والازدهار المشترك، وربط قوة قطاع الرقائق في بلاده بالديمقراطية وسيادة القانون.

وبهذا أصبحت أشباه الموصلات في تايوان أكثر من قطاع صناعي مربح؛ فهي تمثل رصيدًا استراتيجيًّا تستخدمه الجزيرة لبناء شراكات اقتصادية وسياسية مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى تعتمد على الرقائق المتقدمة.
ويتقاطع هذا الدور مع الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة، الذي يركز على الصناعة والابتكار والبنية التحتية، خاصة مع تحول التقنيات المتقدمة إلى عنصر أساسي في قدرة الاقتصادات على المنافسة وتطوير صناعات المستقبل.
أمريكا تريد التصنيع
تأتي الولايات المتحدة في مقدمة الدول التي تسعى إلى الحصول على حصة أكبر من عمليات التصنيع التايوانية. وتستثمر TSMC نحو 265 مليار دولار في مصانع بولاية أريزونا، بينما أعلن وزير الاقتصاد التايواني أن شركات تايوانية تخطط لاستثمارات إضافية تبلغ نحو 20 مليار دولار في الولايات المتحدة.
كما توصلت تايوان وواشنطن في وقت سابق من العام إلى اتفاق لزيادة الاستثمارات التايوانية داخل الولايات المتحدة مقابل خفض بعض الرسوم على الصادرات.
ورغم ذلك، تستمر الضغوط الأمريكية؛ إذ قال وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك إن رسومًا على أشباه الموصلات ستُفرض على الشركات التي لا تصنع رقائق داخل الولايات المتحدة.
وبالتالي، تحاول واشنطن تقليل اعتمادها على الإنتاج القادم من آسيا، بينما تحتاج تايوان إلى توسيع عملياتها الخارجية من دون أن تفقد الدور المركزي الذي يمنحها أهميتها الاستراتيجية.
التصنيع يتجاوز الجزيرة
بدأت الشركات التايوانية نفسها تتعامل مع هذا التحول باعتباره واقعًا جديدًا. وقال يونج ليو، رئيس Foxconn، إن الشركات أصبحت مطالبة بالتفكير في التصنيع مع تايوان داخل الأسواق التي تخدمها، بدلًا من حصر الإنتاج داخل الجزيرة.
ووافقه الرأي مسئول في شركة ASE، أكبر مزود عالمي لخدمات تغليف واختبار الرقائق، مشيرًا إلى أن التوسع الخارجي أصبح ضرورة سياسية واقتصادية.
ويكشف ذلك تحولًا مهمًّا في نموذج صناعة أشباه الموصلات؛ فالقيمة ترتبط بموقع المصنع، وكذلك بالشبكات التي تربط التصميم والإنتاج والتغليف والاختبار والأسواق النهائية.
ومع انتقال جزء متزايد من عمليات الإنتاج إلى خارج الجزيرة، تتعدد الأسباب التي تدفع الشركات التايوانية إلى توسيع حضورها الصناعي في أسواق أخرى.
لماذا تتوسع شركات الرقائق خارج تايوان؟
ارتبط هذه الخطوة بعدة اعتبارات اقتصادية واستراتيجية، من أبرزها:
- الاقتراب من الأسواق الرئيسية التي تستهلك الرقائق.
- تقليل مخاطر الاعتماد على مركز تصنيع واحد.
- الاستجابة للضغوط والسياسات الصناعية لدى الحلفاء.
- بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة.
- الحفاظ على الوصول إلى الأسواق في ظل الرسوم والتوترات التجارية.
وللتعرف على جانب آخر من الابتكارات التي تعيد تشكيل هذه الصناعة، اقرأ أيضًا: كيف يمكن للهواء أن يُحدث ثورةً في عالم أشباه الموصلات؟.
أوروبا تدخل المنافسة
الولايات المتحدة ليست الطرف الوحيد الذي يريد الاستفادة من قوة تايوان التقنية. فالاتحاد الأوروبي يسعى بدوره إلى جذب مزيد من استثمارات الشركات التايوانية في أشباه الموصلات.
وخلال معرض SEMICON، شارك مسئول من المفوضية الأوروبية للترويج لخطة Chips Act 2.0 أمام مسئولين وشركات تايوانية، في محاولة لتعزيز قدرة أوروبا على تطوير قطاع الرقائق وتقليل اعتمادها على الإمدادات الخارجية.
وتتقاطع المصالح بين تايوان والاتحاد الأوروبي أيضًا على المستوى السياسي، إذ يسعى الطرفان إلى توسيع التعاون في ظل خلافاتهما التجارية والدبلوماسية مع الصين.
كما يمنح هذا التقارب تايوان فرصة لتحويل تفوقها الصناعي إلى شبكة أوسع من العلاقات الدولية بدل الاعتماد على شريك واحد.
قوة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي
تزداد أهمية تايوان مع الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي، لأن الرقائق المتقدمة أصبحت من أهم مكونات البنية التحتية اللازمة لتدريب وتشغيل النماذج والتطبيقات الجديدة.
وشركات مثل TSMC وFoxconn وASE تشغل مواقع مختلفة داخل هذه المنظومة، من تصنيع أشباه الموصلات إلى إنتاج خوادم الذكاء الاصطناعي وتغليف الرقائق واختبارها.

وهذا الارتباط يجعل المكاسب الاقتصادية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي موضوعًا دوليًّا، إذ تريد الولايات المتحدة وأوروبا الحصول على نصيب أكبر من الاستثمارات والوظائف وقدرات التصنيع المرتبطة به.
ويتقاطع توسيع هذه الشراكات مع الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يركز على بناء شراكات دولية وتبادل التكنولوجيا والمعرفة، خاصة في القطاعات التي أصبحت سلاسل إنتاجها موزعة بين عدد كبير من الدول.
معادلة تايوان الصعبة
تواجه تايوان في النهاية معادلة دقيقة: توسيع إنتاج أشباه الموصلات خارج حدودها يساعد على تقوية علاقاتها مع الحلفاء وتنويع سلاسل الإمداد، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول مقدار التصنيع الذي يمكن نقله إلى الخارج مع الحفاظ على القيمة الاستراتيجية للجزيرة.
وتبدو استراتيجية تايبيه قائمة على مشاركة جزء من مكاسب صناعة الرقائق مع شركائها مع الاحتفاظ بدورها المحوري في المعرفة والتكنولوجيا وسلاسل الإنتاج.
وفي هذا الصدد، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن تجربة تايوان تبرز كيف أصبحت الصناعات التقنية المتقدمة جزءًا من العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول، خاصة مع صعود الذكاء الاصطناعي وزيادة الاعتماد على الرقائق. وفي هذا المشهد، تمثل القدرة على بناء سلاسل توريد مرنة وشراكات متوازنة عنصرًا أساسيًّا في استدامة الابتكار وتقليل مخاطر الاعتماد على مركز إنتاج واحد.




