الضمائر الحية وضمائر الحية

الضمائر الحية وضمائر الحية
في كل ركن من أركان حياتنا اليومية، سواء كان شارعًا مزدحمًا أو منزلًا مغلق الأبواب، أو مكانًا عامًا أو حتى زاوية حميمة من زوايا الحياة الخاصة، صار للهاتف المحمول حضور لا يغيب وعين لا تنام، فقد تحول من أداة للتواصل إلى راصد دقيق لكل ما يدور حوله، وذاكرة رقمية تلتقط المشهد لتنشره بعد دقائق على وسائل التواصل الاجتماعي ليشاهده الملايين. ظاهرة باتت في السنوات الأخيرة سمة من سمات المجتمع المصري الذي وجد في الكاميرا صوتًا يعبر عن غضبه حين تخفت أصوات أخرى، ووسيلة يستنجد بها حين يضيق به الحال.
ولقد تحولت هذه الكاميرا في كثير من الأحيان إلى يد ممدودة للضحايا الذين طالما خنقتهم الجدران الصامتة، وصارت أداة كشف لما كان يُرتكب في الظل بعيدًا عن أعين الرقابة، فكم من معتدٍ أُلقي القبض عليه خلال ساعات قليلة من انتشار مقطع يفضحه، وكم من ظلم كان يجري في صمت تحت سمع المجتمع وبصره، حتى جاءت العدسة لتنزع عنه قناع الخفاء وتضعه أمام الرأي العام والأجهزة الرسمية، فأصبح المحتوى المُصوَّر دليلًا معتمدًا ومدخلًا لإجراءات قانونية كثيرًا ما تنتهي بمحاكمة مرتكب الواقعة وإنزال العقوبة المستحقة به.
غير أن هذه الصورة الوردية على بهائها تخفي خلفها وجهًا قاتمًا يتكشف على مستويات متعددة، أولها أن مواقع التواصل تتحول بذلك إلى ساحة محاكمة شعبية يجلس فيها الجمهور قاضيًا ومدّعيًا وجلادًا في آن واحد، فتنهار المبادئ التي بُنيت عليها العدالة على مدار قرون، ويسقط مبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته أمام موجة الانفعال الجماعي، فكم من مقطع انتشر في الآفاق وحُكم على صاحبه شعبيًا قبل أن تكتمل التحقيقات، ثم تبين لاحقًا أن السياق كان مختلفًا، أو أن الواقعة من أصلها مفبركة اختُلق منها ما اختُلق، فإذا بالكاميرا التي يُفترض أنها أداة كشف الحقيقة، تتحول في يد بعضهم إلى وسيلة لتزييفها.
ويتفرع من هذا الوجه القاتم وجه آخر لا يقل عنه خطورة، حيث نجد كثيرًا من الناس باتوا ينشغلون بالتصوير عن التدخل والإنقاذ، فإذا وقعت جريمة أمام أعينهم رفعوا هواتفهم في حماس قبل أن يرفعوا أصواتهم بالاستغاثة، وكأن العدسة سرقت منهم إنسانيتهم قبل أن يسرقها الجاني من ضحاياه، فتحولت ساحة الجريمة إلى مسرح للتصوير، وتراجعت المروءة في النفوس أمام شهوة الشهرة.
ولا يقف الضرر عند حدود الضحية المباشرة وحدها، فالمتصفح العادي الذي يفتح هاتفه صباحًا، يجد نفسه أمام سيل لا ينقطع من مشاهد العنف والصراخ والدماء والفضائح، فيغلق الشاشة بقلب مثقل ومزاج كدر، ولا يدري أن ما تجرعه من طاقة سلبية في دقائق سيمتد أثره ساعات وأيامًا في تعاملاته مع أسرته وزملائه ومن حوله. وقد أثبتت الدراسات النفسية أن التعرض المتواصل لمشاهد العدوان والمأساة يولد قلقًا مزمنًا واكتئابًا صامتًا، ويصيب الإنسان بما يُعرف بـ”إجهاد الرحمة” حين تتبلد مشاعره من كثرة ما يرى، فيفقد قدرته على التعاطف مع الألم الحقيقي حين يقابله في الواقع. وهكذا يصاب المجتمع كله بإرهاق نفسي جماعي يتناقل عدوى التوتر، فيغدو شعب بأكمله أسير مزاج حالك صنعته له خوارزميات تتغذى على كل ما هو صادم وقاتم.
وإذا كان الأمر قد بلغ بنا هذا المبلغ على المستوى الداخلي، فإن تبعاته تتجاوز حدودنا لتطال صورة الوطن في عيون العالم، فمصر التي يعرفها التاريخ بحضارتها العريقة وشعبها الودود وروح الفكاهة التي يضرب بها المثل، تُختزل في عيون المتابع الأجنبي في مقاطع متفرقة تجمعها خوارزميات وسائل التواصل، فيظن من لا يعرفها أنها بلد العنف والتحرش والاعتداءات، وأن شوارعها ساحات للجرائم اليومية، فتتراجع صورتها السياحية التي بنتها الدولة بجهد سنوات في لحظات، ويتردد المستثمر الأجنبي قبل أن يضع قدمه على أرضها، ويتشكك السائح الذي كان يحلم بزيارة الأهرامات حين تطالعه صور سوداوية مضللة عن الحياة اليومية فيها. ومن المؤسف أن مقطعًا واحدًا قد يمحو من ذهن مشاهد بعيد ما كتبته أقلام المؤرخين في مجلدات، فالعين تصدق ما تراه أكثر مما تقرأه، والذاكرة البصرية أقوى من كل دعاية رسمية تبذل الدولة في سبيلها الجهد والمال لرسم صورتها الحقيقية في أذهان السائحين والمستثمرين في الخارج.
وفي قلب هذه الدوائر المتسعة من الضرر، تبقى الدائرة الأعمق إيلامًا تلك التي تمتد إلى ما هو أبعد من حدود القانون، حيث تطل من خلف الشاشات قصص مأساوية تذكرنا بأن وراء كل فيديو إنسانًا من لحم ودم، فكم من فتاة أنهت حياتها تحت وطأة حملة تشهير لم تحتمل قسوتها، وكم من شاب انهار نفسيًا واعتزل الناس بعد أن طارده مقطع لن يمحوه الزمن من ذاكرة الإنترنت، وكم من أسرة تفككت تحت ضغط فضيحة رقمية كان يمكن احتواؤها بهدوء. هذه أرواح أُزهقت أو كادت، تحت وطأة كاميرا تحولت من شاهدة على الواقعة إلى صانعة لها، ومن أداة توثيق إلى مطرقة تهشم الأرواح قبل الأجساد.
والغريب في الأمر كله أنك حين تنظر إلى هذا المشهد من زاوية القانون، تجد تناقضًا صارخًا يحير العقل، فبينما يجرم القانون كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة بالتصوير دون إذن، يُؤخذ بما تم تصويره ويُعتد به ويُعتبر أساسًا لسيل من الإجراءات الرسمية التي تصل إلى محاكمة مرتكب الواقعة، فتجتمع في الفعل الواحد صفتان متناقضتان، جريمةٌ من جهة، ودليلٌ معتبر من جهة أخرى.
ولا يكتمل الحديث عن منظومة التصوير ومسؤولياتها بغير أن نلتفت إلى زاوية طالما غفل عنها الكثيرون، وأعني بها مسؤولية أصحاب كاميرات المراقبة المنتشرة في كل مكان من حولنا، فقد باتت هذه الكاميرات تملأ الشوارع وواجهات المحلات وأروقة المباني وممرات المؤسسات، ترصد كل عابر وتسجل كل حركة، حتى صار من يدخل أي مكان عام أو خاص واقعًا تحت عيون لا يراها ولم يأذن لها بمراقبته في الأصل. والمفترض في هذه الكاميرات أن تؤدي وظيفة محددة ضيقة الحدود، تتمثل في حماية الأماكن من السرقة والتعدي، وكشف الجرائم عند وقوعها، وتسليم المحتوى للجهات الرسمية عند الحاجة إليه، ولها في ذلك حق مشروع لا يماري فيه أحد، غير أن ما يحدث في الواقع شيء آخر تمامًا، حيث يتجاوز بعض أصحاب هذه الكاميرات حدود وظيفتها الأصلية، فينشرون مقاطعها على المنصات الرقمية طلبًا للضحك أو للشهرة أو لجذب الزبائن أو لمعاقبة من يكرهون، دون أن يستأذنوا من ظهروا في تلك المقاطع، ودون أن يفكروا للحظة في الكرامة التي يهدرونها بفعلتهم تلك.
وتزداد خطورة هذا السلوك إذا أدركنا أن من يظهر في كاميرات المراقبة قد يكون في لحظة من أضعف لحظاته الإنسانية، كالمرأة التي تسقط في الشارع فينكشف شيء من ثيابها، والطفل الذي يرتكب حماقة بريئة، والعجوز الذي تخونه قدماه أمام عتبة محل، والعابر الذي تظهر ملامحه في موقف لا يحب أن يراه فيه أحد، فإذا بهذه اللحظات الإنسانية التي يحفظها الستر عادةً، تتحول إلى مادة للسخرية ومحتوى للترفيه يضحك عليه ملايين المتفرجين، ويظل ضحيتها في حيرة لا يدري كيف يدافع عن نفسه أمام عاصفة لم يصنعها ولم يسع إليها.
وأمام هذا المشهد المعقد بكل ما فيه من خير وشر، يتعين علينا أن نبحث عن طريق ثالث يتجاوز ثنائية الإباحة المطلقة والحظر التام، فالإطلاق بلا قيود يحول المجتمع إلى غابة رقمية تأكل فيها الشهرة السمعةَ، والمنع الكامل يهدي للمتحرشين والمعتدين والفاسدين حصانةً ذهبية، ويعيد الجرائم إلى عتمتها القديمة. الحل إذن يكمن في تنظيمٍ ذكي يفصل بين التوثيق الأخلاقي المشروع، وبين النشر التشهيري المجرم، ويفرّق بين من يحمل هاتفه ليُنصف مظلومًا ومن يحمله ليصنع ترندًا على دماء الضحايا.
وتبدأ ملامح هذا التنظيم بإنشاء قنوات بلاغ رقمية رسمية يستطيع المواطن عبرها أن يسلم ما صوره مباشرة إلى الجهات المختصة، مع ضمان سرية هويته، والتزام الأجهزة بالرد خلال مدة قصيرة تحفظ حقوق الضحية وتُطمئن المُبلِّغ، على أن يواكب ذلك رقابة داخلية صارمة على الجهات المختصة، تُلزمها بإصدار تقارير دورية شفافة تكشف عن أعداد البلاغات الواردة، وما اتُّخذ بشأنها من إجراءات، وما آلت إليه من نتائج، بما يضمن جدية التنفيذ ويُغلق الباب أمام التسويف والإهمال؛ فإن من أسباب لجوء الناس للنشر العلني فقدانهم الثقة في القنوات الرسمية، وإذا استُعيدت هذه الثقة استُعيد معها الاحترام للمسار القانوني السليم. ليكون هذا المقترح مصفاة دقيقة تفرز النيات قبل أن تفرز الأفعال، فمن كانت غايته الحقيقية إنصاف الضحية وإصلاح الواقع سيجد في هذه القنوات ضالته المنشودة، حيث يصل صوته إلى من يملك القرار في صمت ووقار، ومن كانت غايته الترند وحصد المشاهدات ومراكمة المتابعين بلا اكتراث بآلام الناس، سينكشف أمره من تلقاء نفسه حين يتجاوز القنوات الرسمية ويسارع إلى النشر العلني، حينها سيدرك المجتمع بوضوح أن هاتفه لم يُرفع للإصلاح، وإنما رُفع لاستثمار الفضيحة وتسويق المأساة.
ولأن الواقع لا يسير دائمًا وفق ما نرجوه، فإذا تعذر تطبيق هذا المسار الأول كاملًا، أو ظهرت حالات يصرّ أصحابها على النشر العلني، فمن الحكمة أن نضع لذلك ضوابط ثانوية تخفف من الضرر قدر الإمكان، كأن يُلزم الناشر بطمس وجوه المارة والأطفال والأطراف غير المعنية، وألا يكشف هوية الضحية دون موافقتها الصريحة، وأن يتجنب المشاهد الدموية الصادمة التي تؤذي مشاعر المشاهدين خاصة الصغار منهم، وأن ينتظر تحقيقًا رسميًا يحدد السياق الكامل قبل أن يطلق على الناس أحكامًا قد يصعب التراجع عنها فيما بعد. ويُسنَد هذا الإطار البديل بعقوبات متدرجة تُكافئ المسؤولية وتعاقب الاستهتار، فمن صوّر وسلّم، أو نشر مع الالتزام بالضوابط يجد تقديرًا وحماية، ومن فبرك واقعة كاذبة أو نشر محتوى بغير إذن من صاحبه يجد عقوبة تليق بحجم الجرم الذي اقترفه، أما إذا كان لهذا النشر أضرار أخرى كأن أدى إلى انتحار شخص أو تأثره بما نُشر، فلا بد من عقوبة مشددة تردع غيره عن سلوك الطريق ذاته.
وعودًا إلى مسؤولية أصحاب كاميرات المراقبة التي أشرنا إليها سلفًا، فإن المنطق يقتضي أن تمتد إليهم المسؤولية القانونية امتدادًا صريحًا وواضحًا، فيُعدّ كل من ينشر مقطعًا من محتوى كاميراته دون إذن صريح من كل شخص يظهر فيه مرتكبًا لجريمة مكتملة الأركان، تنطبق عليه ذات العقوبات المقررة لانتهاك حرمة الحياة الخاصة، مع تشديد العقوبة إذا تعلق الأمر بشخص في موقف يمس كرامته. ويترتب على ذلك أن تُنظَّم عملية تركيب هذه الكاميرات بضوابط واضحة، تشمل تسجيل بياناتها لدى السلطات الرسمية، ووضع لافتات تنبيهية تخبر بوجودها، وتقييد الاطلاع على محتواها بأشخاص محددين يلتزمون بسرية تامة، وحظر تداول مقاطعها خارج الإطار الرسمي حظرًا قاطعًا مهما كانت المبررات. وحين يدرك صاحب الكاميرا أن ما يجمعه من صور أمانة في عنقه قبل أن يكون ملكًا لعدسته، حينها فقط تتحول هذه الكاميرات من فخاخ بصرية تترصد الناس في غفلاتهم، إلى أعين أمينة تحرس المكان دون أن تخون ثقة من يدخله.
ولا يكتمل عقد هذا التنظيم دون ركيزتين أخريين تسنده وتحفظ توازنه، أولاهما توعية مجتمعية مستمرة تشرح للمواطن متى يصور ومتى يسلّم ومتى ينشر، وتضع في المناهج المدرسية مادة الأخلاقيات الرقمية، لينشأ جيل يفهم أن الكاميرا في يده أمانة قبل أن تكون سلطة، وأن سرعة الإصبع في الضغط على زر التسجيل يجب أن يلازمها سرعة في التفكير في عواقب ما يفعل. وثانيتهما، وهي حجر الزاوية في هذه المنظومة كلها، استقلال القضاء عن ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي، فالقاضي يحتكم إلى ما تحت يديه من ملفات وقرائن، ويستمع إلى وقائع التحقيق لا إلى صخب التعليقات وأهواء المعلقين، فإذا أدركنا أن المحاكمة الشعبية الانفعالية تنتج ظلمًا يفوق أحيانًا الظلم الذي قامت لمواجهته، تعلمنا أن العدالة الحقيقية تحتاج إلى صبر وروية، وإلى مسافة بين الحدث والحكم، وإلى ضمائر تتأمل قبل أن تُدين.
وخلاصة القول إن حرية التوثيق نعمة لا يجوز التفريط فيها، وفوضى النشر آفة لا يصح السكوت عليها، فالكاميرا في يد المواطن المصري أداة إصلاح حقيقية إن أُحسن استخدامها، وأداة دمار حقيقية إن أُسيء توجيهها، تمامًا كأي قوة في هذا العالم. لذا فلا بد من تضافر الدولة والمجتمع والإعلام والقضاء والسلطة التشريعية لصياغة عقد اجتماعي رقمي جديد، يجعل من المواطن شريكًا للعدالة لا قاضيًا فيها أو عليها، ويجعل من وسائل التواصل الاجتماعي رافدًا لدعم القانون لا بديلًا له.
وفي خاتمة المقال، يتجلى لنا أن الناس في تعاملهم مع هواتفهم صنفان لا ثالث لهما، فثمة من يحمل هاتفه وفي قلبه شعلة إنسانية لا تنطفئ، يرفعه حين يرى الظلم ليوثق الحقيقة بأمانة، ثم يطوي الأمر في سرية ووقار ويسلمه لمن يملك إنصاف المظلوم، فيتحرك بضميرٍ حيٍّ يخفق بنبض الإصلاح، وروحٍ يقظة تأبى أن تمر بالباطل مرور الكرام، فأولئك هم الضمائر الحية التي تضيء عتمة الواقع بنور صدقها. وثمة في الجانب الآخر من يحمل هاتفه وقد ماتت في داخله بذرة المروءة، فيرفعه حين تستغيث الضحية فلا يستجيب، ويصور الجريمة وهي تقع أمام عينيه فلا يحرك ساكنًا لمنعها، ويتلذذ بنقل المأساة إلى ملايين الشاشات وكأنه يسوّق سلعة في معرض، فيتاجر بدموع الناس ويبني شهرته على أنقاض كرامتهم، فأولئك ضمائر الحية التي تخفي تحت جلد الإنسان روحًا تلدغ بلا بصيرة، ونفسًا تنهش لحوم الأبرياء لتطعم بها هوس الشهرة. وبين هذين الصنفين يقف مجتمع بأكمله على مفترق طرق، إما أن ينحاز إلى الضمائر التي تحيا فيرتقي بها، أو ينساق خلف الضمائر التي تلدغ فيتسمم بها، والخيار قبل أن يكون قانونيًا أو تشريعيًا، خيارٌ أخلاقي يولد في القلب قبل أن يصل إلى الإصبع التي تضغط على زر التسجيل.
حينها فقط نستطيع أن نقول إننا روّضنا وحشًا شرسًا صنعناه بأيدينا، وأن الكاميرا التي رفعناها يومًا لنوثق ظلمًا، صارت أداة لإقامة عدل، دون أن تسحق في طريقها كرامة إنسان، أو تطحن في رحاها مجتمعًا بأسره.




