موجة الحر في أوروبا تتصاعد مجددًا لتكشف هشاشة أنظمة الطاقة والنقل النهري

موجة الحر في أوروبا تتصاعد مجددًا لتكشف هشاشة أنظمة الطاقة والنقل النهري
تواجه القارة الأوروبية واحدة من أشد موجات الحرارة هذا الصيف، بعدما امتدت درجات الحرارة القياسية من جنوب القارة إلى شرقها، وفرضت ضغوطًا متزايدة على الصحة العامة وإنتاج الكهرباء وحركة النقل النهري، وبدأت تداعيات موجة الحر في أوروبا تكشف هشاشة بعض أنظمة الطاقة والمياه أمام الظروف المناخية القاسية، ولم تعد مقتصرة على شعور السكان بالإجهاد.
في إيطاليا، اتخذت السلطات خطوة غير مسبوقة برفع مستوى التأهب الصحي إلى أعلى درجاته في جميع المدن الكبرى بسبب الحرارة، بينما أطفأت المجر الإضاءة في عدد من أشهر مبانيها لتقليل استهلاك الكهرباء، بعد أن أدى انخفاض منسوب نهر الدانوب إلى تعطيل جزء كبير من إنتاج محطتها النووية الوحيدة.
وامتدت التأثيرات إلى نهر الراين في ألمانيا، حيث اضطرت السفن إلى تقليل حمولاتها بسبب انخفاض المياه، ما يهدد بزيادة تكاليف نقل الحبوب والمعادن والفحم والمنتجات النفطية.
إيطاليا ترفع مستوى التأهب الصحي
رفعت إيطاليا مستوى التأهب الصحي إلى أعلى درجة في مدن تمتد من باليرمو في جزيرة صقلية جنوبًا إلى بولزانو في الشمال الجبلي. ويعني هذا المستوى أن استمرار درجات الحرارة المرتفعة يمثل خطرًا صحيًّا على السكان عمومًا، وليس على كبار السن والمرضى والفئات الأكثر عرضة فقط.
وجاء رفع مستوى التأهب في وقت سجلت فيه مناطق أوروبية عدة درجات حرارة قياسية، بينما وصلت الحرارة في النمسا إلى 41.2 درجة مئوية، مسجلة رقمًا قياسيًّا جديدًا.
ودفعت موجة الحر في أوروبا بعض المدن الإيطالية إلى اتخاذ إجراءات لحماية السكان من الحرارة الشديدة. ففي جنوة، أصبح بإمكان من تجاوزوا 65 عامًا دخول المتاحف والمكتبات مجانًا خلال أكثر ساعات اليوم حرارة، بينما مددت روما برنامج الفحوص الطبية المجانية داخل دور السينما المكيفة حتى 14 أغسطس.
وتعكس هذه الإجراءات تصاعد المخاطر الصحية المرتبطة بموجات الحر، والحاجة إلى خطط أكثر استعدادًا لحماية السكان وتوفير أماكن آمنة خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة. ويتقاطع ذلك مع الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة المرتبط بالصحة الجيدة والرفاه، وتحديدًا الغاية d.3 التي تدعو إلى تعزيز القدرة على الإنذار المبكر والحد من المخاطر الصحية وإدارتها، وهو ما يكتسب أهمية كبرى مع تزايد الحاجة إلى حماية السكان وتخفيف الضغط المحتمل على المستشفيات وخدمات الطوارئ.

انخفاض الدانوب يضغط على إنتاج الكهرباء
في المجر، تجاوزت الأزمة ارتفاع درجات الحرارة لتمتد إلى إنتاج الطاقة. فقد سجل نهر الدانوب مستويات مياه منخفضة بصورة قياسية، ما أدى إلى خفض تشغيل المحطة النووية الوحيدة في البلاد، التي تعتمد على مياه النهر لتبريد مفاعلاتها.
ومع تراجع قدرة المحطة، اقتربت إمدادات الكهرباء من حدودها القصوى، في وقت يرتفع فيه الطلب على الطاقة بسبب استخدام أجهزة التبريد. وردًا على ذلك، أوقفت الحكومة الإضاءة الزخرفية وغير الضرورية في المؤسسات الحكومية ليلًا، بما يشمل مبنى البرلمان وأجزاء كبيرة من قلعة بودا وجسر السلسلة.
وتوضح هذه التطورات المفارقة التي تفرضها موجة الحر في أوروبا؛ ففي الوقت الذي تحتاج فيه المدن إلى كهرباء إضافية للتبريد، تؤدي الحرارة والجفاف إلى تراجع المياه اللازمة لتشغيل بعض محطات إنتاج الطاقة. ويبرز هنا الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة الخاص بالمياه النظيفة والنظافة الصحية، وخاصة الغاية 6.4 المتعلقة بزيادة كفاءة استخدام المياه والتعامل مع ندرتها، إذ أصبحت موارد الأنهار مطالبة بتلبية احتياجات متزامنة تشمل الطاقة والزراعة والاستخدامات اليومية.
وتواجه رومانيا تحديًا مشابهًا، إذ تستعد السلطات لإغراق أربعة صنادل محملة بالصخور داخل نهر الدانوب، بهدف تحويل المياه نحو المفاعل النووي الوحيد الذي لا يزال يعمل، ومنحه أيامًا إضافية من التشغيل.
كما خفضت بوخارست شدة إنارة الشوارع بنسبة الثلث، وأطفأت الإضاءة الليلية في عدد من المباني والمعالم والمتاحف لتوفير الكهرباء.
أزمة الحرارة تنتقل إلى الأنهار والتجارة
لم تتوقف آثار انخفاض المياه عند محطات الطاقة؛ فقد تسبب تراجع منسوب نهر الراين في ألمانيا في صعوبات أمام حركة الشحن، واضطرت سفن عديدة إلى العمل بحمولات جزئية لتجنب ملامسة قاع النهر.
ويعد الراين من أهم طرق النقل التجاري في أوروبا، إذ تستخدمه السفن في نقل الحبوب والمعادن والفحم والمنتجات النفطية. وعندما تقل الحمولة التي تستطيع السفينة نقلها، تصبح الشركات بحاجة إلى عدد أكبر من الرحلات لنقل الكمية نفسها، ما يرفع تكاليف الشحن.
وقد تنتقل هذه الزيادة إلى قطاعات أخرى تعتمد على المواد الخام والطاقة، بما يوضح كيف يمكن أن تتحول موجة الحر في أوروبا من أزمة مناخية إلى ضغط اقتصادي يؤثر في سلاسل الإمداد وأسعار السلع.
وتكشف هذه التطورات مدى اعتماد الاقتصاد الأوروبي على الأنهار، باعتبارها مصادر أساسية للمياه، وبوصفها جزءًا أساسيًّا من منظومة الطاقة والنقل والتجارة. كما تعكس أهمية الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، وتحديدًا الغاية 9.1 المتعلقة بتطوير بنية تحتية موثوقة ومستدامة وقادرة على الصمود، خاصة مع اضطرار شبكات النقل والطاقة إلى العمل في ظروف مناخية لم تُصمم بعض مكوناتها لمواجهتها بهذه الحدة.

كهوف البوسنة تتحول إلى ملاذ طبيعي
في البوسنة والهرسك، اتخذت الأزمة مشهدًا مختلفًا، بعدما لجأ السياح إلى كهف فيترينيتسا المدرج على قائمة التراث العالمي، هربًا من درجات حرارة خارجية بلغت نحو 40 درجة مئوية.
ويحافظ الكهف على درجة حرارة ثابتة تقارب 11 درجة طوال العام، ما جعله ملاذًا للبشر خلال موجة الحر، إلى جانب دوره بوصفه موطنًا للتنوع الحيوي.
ومع ذلك، تظل أعداد الزوار محدودة بسبب حساسية النظام البيئي داخله. ويكشف هذا المشهد عن أهمية النظم الطبيعية في توفير الحماية من الظروف المناخية المتطرفة، مع ضرورة منع الضغط السياحي من الإضرار بها.
هل تستطيع البنية التحتية التكيف؟
توضح الأحداث أن موجة الحر في أوروبا أصبحت اختبارًا شاملًا لقدرة القارة على التكيف مع مناخ أكثر حرارة. فالخطر الصحي في إيطاليا، وأزمة الكهرباء في المجر ورومانيا، واضطراب حركة الشحن على الراين، هي حلقات مترابطة تبدأ من الحرارة والجفاف وتمتد إلى الاقتصاد والحياة اليومية.
وفي هذا السياق، تشير مؤسسة حماة الأرض إلى أن مواجهة هذه المخاطر تحتاج إلى الانتقال من إدارة الطوارئ المؤقتة إلى التخطيط طويل المدى، عبر تحديث شبكات الطاقة، ورفع كفاءة استخدام المياه، وحماية الفئات المعرضة للخطر، وتطوير وسائل النقل النهري لتتحمل تقلب مستويات الأنهار. وتكشف الأزمة الحالية أن قدرة أوروبا على مواجهة موجات الحر المقبلة تعتمد على بناء أنظمة صحية واقتصادية وبنية تحتية أكثر مرونة أمام تغير المناخ.




