لقاح التهاب الكبد للرضع في غينيا بيساو يثير الجدل.. أين تقف حدود العلم والأخلاق؟

لقاح التهاب الكبد للرضع في غينيا بيساو يثير الجدل.. أين تقف حدود العلم والأخلاق؟
في الساعات الأولى من حياة الطفل، قد تحمل جرعة صغيرة من اللقاح حماية تمتد لسنوات طويلة. لكن ماذا يحدث حين يصبح توقيت هذه الجرعة جزءًا من تجربة علمية، ويُطلب من بعض المواليد الانتظار للحصول عليها؟
هذا السؤال جعل لقاح التهاب الكبد محل جدل صحي وأخلاقي بدولة غينيا بيساو، بعدما أثارت تجربة مقترحة على آلاف الأطفال حديثي الولادة اعتراضات من علماء ومنظمة الصحة العالمية، وانتهت بعدم حصول الباحثين على الموافقة الحكومية اللازمة لتنفيذها.
وتفتح هذه القضية بابًا لنقاش أوسع حول المعادلة الدقيقة بين حاجة الطب إلى البحث والتجربة، وحق الإنسان، خصوصًا في أشد مراحل حياته هشاشة، في الحصول على الوقاية الصحية المثبتة.
تجربة تثير الجدل
بدأ الجدل حول مشروع بحثي يقوده مجموعة من الباحثين الدنماركيين، بدعم مالي أمريكي وشركاء من القطاع الخاص، لدراسة التأثيرات الصحية المحتملة لتوقيت إعطاء لقاح التهاب الكبد الوبائي ب عند الولادة.
ووفق التفاصيل المنشورة، كان التصميم المقترح يستهدف نحو 14 ألف مولود في غينيا بيساو، يُقسمون إلى مجموعتين؛ تتلقى الأولى جرعة اللقاح فور الولادة، بينما تحصل الثانية عليها عند بلوغ ستة أسابيع.

وسعى الباحثون إلى دراسة ما يُعرف بالتأثيرات غير المحددة للقاحات، أي النتائج الصحية التي قد تتجاوز الحماية المباشرة من المرض المستهدف، بما يشمل معدلات الوفيات وبعض الحالات الجلدية واضطرابات النمو العصبي.
ودافع الفريق البحثي عن هذا التصميم بالإشارة إلى أن تلقي اللقاح عند عمر ستة أسابيع يتوافق مع جدول التطعيم المعمول به في غينيا بيساو، بينما كانت الدراسة ستختبر أثر إضافة جرعة فور الولادة.
وهنا ظهرت نقطة الخلاف: هل يكفي الالتزام بجدول التطعيم الوطني القائم لتبرير تأخير جرعة وقائية توصي الجهات الصحية الدولية بإعطائها فور الولادة؟
لماذا اعترض العلماء؟
تكمن خطورة التهاب الكبد الوبائي ب في قدرته على الانتقال من الأم إلى طفلها في أثناء الولادة، واحتمال تحوله إلى عدوى مزمنة قد تؤدي لاحقًا إلى تليف الكبد أو سرطان الكبد.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن جرعة الولادة تتمتع بسجل طويل من السلامة والفعالية، وتمنع ما بين 70% و95% من حالات انتقال العدوى من الأم إلى الطفل.
وفي غينيا بيساو، تزداد أهمية الوقاية؛ إذ تشير تقديرات أوردتها المنظمة إلى أن أكثر من 12% من البالغين كانوا يعيشون مع عدوى مزمنة بالفيروس عام 2022.

وكانت المنظمة قد حذرت، في بيان أصدرته يوم 13 فبراير 2026 من مخاطر التصميم المقترح للتجربة، مشيرة إلى احتمال تعرُّض بعض الأطفال لأضرار خطيرة يمكن تجنبها. وأعربت المنظمة حينها عن مخاوف تتعلق بالمبررات العلمية للدراسة وضماناتها الأخلاقية، قبل أن تعود القضية إلى الواجهة مع الجدل حول الموافقات اللازمة لتنفيذها في أكتوبر.
أما الباحثون، فدافعوا عن مشروعهم بالإشارة إلى أن جرعة الولادة لم تكن قد أُدرجت بعد ضمن التطعيم الروتيني الشامل في البلاد، وأن الأطفال في المجموعة الثانية كانوا سيحصلون على الرعاية المتاحة وفق جدول التطعيم الوطني.
لكن هذا التفسير أبقى السؤال الأخلاقي قائمًا: هل يمكن جعل محدودية الخدمات الصحية أساسًا للمقارنة البحثية، عندما تتوافر وسيلة وقاية أثبتت فائدتها؟
وهنا تظهر أهمية الغاية 3.3 من الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالصحة الجيدة والرفاه، التي تتضمن مكافحة التهاب الكبد الفيروسي بحلول عام 2030. فالتقدم نحو هذه الغاية يرتبط بتعزيز الوقاية من العدوى، خصوصًا لدى الأطفال الذين قد تمتد آثار إصابتهم إلى مراحل لاحقة من حياتهم.
العلم في ميزان الأخلاق
تُعد التجارب السريرية من الأدوات الأساسية لتطوير المعرفة الطبية وتقييم التدخلات الصحية، لكنها تقوم على ضوابط تتعلق بالموافقة المستنيرة وتقييم المخاطر والفوائد وحماية المشاركين، وتصبح هذه الضوابط أكثر أهمية عندما تشمل الأبحاث أطفالًا لا يستطيعون اتخاذ قرار المشاركة بأنفسهم.
وفي حالة غينيا بيساو، أثار المشروع تساؤلات حول موافقات الجهات المختصة، وطبيعة المراجعة الأخلاقية، ومدى كفاية إجراءات حماية الأطفال.
وقد أبلغ باحثون مشاركون في إعداد الدراسة لجنةً دنماركية لأخلاقيات البحث العلمي بأن السلطات في غينيا بيساو وافقت على تصميم محدَّث للتجربة، غير أن الحكومة نفت لاحقًا إصدار الموافقة اللازمة لتنفيذها.
وشملت التعديلات المقترحة فحص الأمهات للكشف عن التهاب الكبد ب، واستبعاد أطفال المصابات من التجربة مع منحهم اللقاح. غير أن تفاصيل البروتوكول المعدل لم تكن متاحة بالكامل للاطلاع العام آنذاك.
وتكشف هذه الوقائع عن ضرورة التمييز بين موافقة لجنة بحثية وبين موافقة الدولة التي ستُجرى التجربة على أراضيها. فحماية الأطفال تبدأ قبل دخولهم أي دراسة، حين تخضع أهدافها ووسائلها ومخاطرها لمراجعة مستقلة وواضحة.
قرار يحسم مصير التجربة
في 13 أكتوبر 2026، أعلنت حكومة غينيا بيساو الانتقالية أنها لم توافق على التجربة المقترحة، نافية تقارير تحدثت عن حصولها على تصريح.
وأكد وزير الصحة كوينهين نانتوتي، خلال مؤتمر صحفي في العاصمة بيساو، ضرورة التزام البحوث التي تشمل البشر، ولا سيما الأطفال، بالتشريعات الوطنية والمعايير الأخلاقية وآليات التقييم والموافقة المختصة.
كما نفت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية أن تكون الدراسة قد حصلت على الموافقة اللازمة. وتوالت التطورات؛ إذ أعاد مجلس الوزراء في غينيا بيساو، يوم 16 أكتوبر، تأكيد رفض التجربة، بحسب تصريحات نُقلت عن إحدى الباحثات المشرفات عليها.
وفي 19 أكتوبر، فتشت الشرطة القضائية مقر مشروع بانديم الصحي، وأغلقت الثلاجة التي تضم اللقاحات المخصصة للدراسة، ضمن تحقيق بشأن مصدر هذه الجرعات وإجراءات الحصول عليها ونقلها وتخزينها. وجاء التفتيش بعد تأكيد الحكومة رفض تنفيذ التجربة.
وبحسب تصريحات الفريق البحثي، توقفت الدراسة قبل بدء تنفيذها، ولم يتلقَّ أي طفل جرعة من اللقاحات المخصصة لها.
العدالة الصحية.. حق للجميع
إذا كان وقف الدراسة قد حسم مصيرها في غينيا بيساو، فماذا عن الأطفال الذين ما زالوا ينتظرون إتاحة جرعة الولادة ضمن البرنامج الوطني للتطعيم؟
بحسب منظمة الصحة العالمية، قررت غينيا بيساو عام 2024 إدراج جرعة لقاح التهاب الكبد ب عند الولادة ضمن جدولها الوطني، مع التخطيط لبدء التطبيق بحلول عام 2028.
وأبدت المنظمة استعدادها لدعم البلاد في تسريع هذه الخطوة، من خلال فحص الحوامل، وتحسين سلاسل تبريد اللقاحات، وتدريب العاملين الصحيين، وتسهيل الوصول إلى الأطفال المولودين في المرافق الصحية والمنازل.

وتفتح هذه الاستجابة مجالًا لفهم العدالة الصحية بوصفها قدرة الأنظمة الطبية على توفير وسائل الوقاية للجميع، بصرف النظر عن الظروف الاقتصادية أو مكان الميلاد.
ومن هنا تكتسب الغاية 3.8 من الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالصحة الجيدة والرفاه، دلالة مباشرة؛ فهي تدعو إلى تحقيق التغطية الصحية الشاملة، بما يشمل إتاحة الخدمات الأساسية والأدوية واللقاحات الآمنة والفعالة والميسورة التكلفة.
ويتصل هذا المعنى بما تناولته Earth Guards Foundation في ملفها عن دور الصحة الجيدة في تحقيق التنمية المستدامة، حيث تبرز الوقاية وإتاحة الرعاية الصحية باعتبارهما أساسين لحماية الإنسان وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة الأخطار.
وهكذا تمتد القضية من قرار يتعلق بتجربة بعينها إلى سؤال أكبر عن مسئولية المؤسسات الصحية في إيصال المعرفة الطبية المثبتة إلى من يحتاجون إليها.
التقدم يبدأ بحماية الإنسان
تكشف قضية لقاح التهاب الكبد في غينيا بيساو عن وجهين متلازمين للتقدم الطبي؛ أحدهما السعي إلى اكتشاف معرفة جديدة، والآخر ضمان أن تظل سلامة الإنسان وحقوقه أساسًا لهذا المسعى العلمي.
وهنا تبرز أهمية ما تدعو إليه Earth Guards Foundation من إعلاء القيم الأخلاقية في توجيه البحث العلمي، حتى تصبح حماية الإنسان وكرامته أساسًا للتقدم الطبي، وتغدو العدالة في الحصول على الرعاية الصحية جزءًا أصيلًا من مسيرة التنمية.
لقد توقفت التجربة المقترحة، لكن الحاجة إلى الوقاية ما زالت قائمة، وكذلك مسئولية تطوير البرامج الصحية التي تتيح اللقاحات للأطفال في الوقت المناسب.
فقد تبدأ الحماية بحقنة صغيرة في الساعات الأولى من الحياة، لكنها تعبِّر عن التزام أكبر: أن تكون صحة الإنسان غاية البحث العلمي، وأن تصل ثمار التقدم الطبي إلى الجميع.




