المواد الكيميائية الأبدية في لانكشاير.. تلوث يحاصر السكان وأسئلة تSearch For إجابات
كانت “ليز هيرست” تستعد لمرحلة جديدة من حياتها؛ منزل وعمل مختلف وزواج تقترب خطواته، قبل أنْ تتوقف خططها فجأة بعد تشخيص إصابتها بسرطان الكلى وهي في الثانية والثلاثين من عمرها. وحينها أخبرها الأطباء بأنَّ هذا المرض غير شائع بين النساء في هذه السن، فيما ظل السبب مجهولًا سنواتٍ كثيرة.
بعد خمسة عشر عامًا عاد السؤال بقوة عندما كشفت دراسة -بتكليف حكومي- عن ارتفاع معدلات سرطان الكلى فوق المتوقع في محيط مصنع تابع لشركة “إيه جي سي كيميكالز يوروب” (AGC) بـ”مدينة ثورنتون كليفيليز” شمال بلاكبول البريطانية، حيث وُجِد المصنعُ في قلب تحقيقات تتعلق بانتشار مواد كيميائية في التربة والمنتجات الزراعية والمنازل القريبة.
لم تثبت الدراسة وجود تجمع سرطاني ذي دلالة إحصائية، كما لم تؤكد ارتباط الحالات بمستويات التلوث البيئي المسجلة، غير أنَّ النتائج أثارت قلق خبراء دوليين طالبوا بمزيد من التحقيقات والفحوص الصحية، خاصة بعد اكتشاف تلوث واسع بمادة “حمض البيرفلورو أوكتانويك” المعروفة اختصارًا بـPFOA””.
وبالنسبة إلى “ليز” فإنَّ قضيتها قد فرضت عليها أنْ تعيش معظم حياتها بالقرب من المصنع، وهو المكان الذي كانت تتذكر فيه تدريبات مدرستها الابتدائية التي كانت تُجرَى للاستعداد لاحتمال وقوع تسرب كيميائي، كما كانت تتذكر كيف عملت خلال عدة فصول صيفية في مختبر داخل الموقع وهي طالبة علوم!
وعندما قرأت أنَّ أبحاثًا دولية ربطت مادة PFOA بسرطان الكلى، شعرت بأنَّ السؤال الذي ظل بلا إجابة طوال سنوات أصبح أكثر إلحاحًا: هل أسهم التعرض للمواد المنبعثة من المصنع في إصابتها؟
تشير التقديرات إلى أنَّ المصنع أطلق نحو 49 طنًا من مادة PFOA بين خمسينيات القرن الماضي وعام 2012، وهي مادة تنتمي إلى مجموعة “PFAS”، المعروفة باسم “المواد الكيميائية الأبدية“؛ بسبب قدرتها على البقاء في البيئة أوقاتًا طويلة وصعوبة تحللها بصورة طبيعية.
واستخدم المصنع هذه المادة في إنتاج “بولي تترافلورو إيثيلين” أوPTFE، وهو مُركب يدخل في تصنيع الطلاءات غير اللاصقة؛ وانطلاقًا من هذه الخطورة والمشكلات الصحية المحتملة حُظرت مادة PFOA عالميًّا عام 2020.
وفي عام 2024 بدأ المجلس المحلي بالمدينة تحقيقًا في الانبعاثات التاريخية للموقع، وشملت الإجراءات فحص عينات من التربة والفاكهة والخضراوات والبيض المنتَج محليًّا، وأظهرت الاختبارات انتشار التلوث حول المصنع؛ فنصحت السلطاتُ سكانَ المنطقةِ بعدم تناول البيض المنتَج في نطاق كيلومتر واحد من المنشأة، إلى جانب غسل وتقشير المحاصيل المزروعة في المنازل.
وفي الوقت الذي واصل فيه العلماء تحليل البيانات وتابعت الجهات التنظيمية إجراءاتها؛ استمر السكان في حياتهم وسط شكوك تمس تفاصيل كانت تبدو آمنة وعادية من قبل، مثل تناول خضراوات الحديقة أو البيض الذي تنتجه الطيور المنزلية!
وتكشف هذه الأزمة أنَّ تأثير المواد الكيميائية يتجاوز حدود المنشآت الصناعية؛ إذْ يمكن أنْ يمتد عبر التربة والغذاء إلى أجساد السكان. ويجعل هذا الامتداد الرقابة المبكرة على الانبعاثات ومتابعة آثارها جزءًا أساسيًّا من حماية الصحة العامة، خاصة عندما تبقى المركبات في البيئة عقودًا من الزمان بعد توقف استخدامها.
من الحديقة إلى مائدة الطعام
في خمس سنوات تحولت قطعة الأرض الزراعية الصغيرة التي يمتلكها “آلان هودسون” إلى ملاذ يهرب إليه من ضغوط الحياة، حيث كان يقضي فيها ساعات قليلة بين النباتات، ثم يعود إلى منزله بذهن أكثر صفاءً.
ويلاصق المكانُ المصنعَ، ويمكن لأي أحد أنْ يسمع فيه ما يصدر عنه من أصوات، وهناك تساءل “آلان” عند حصوله على الأرض عن مدى أمان الموقع؟! سوى أنه افترض أنَّ الجهات المسئولة لنْ تسمح باستخدامها للزراعة في حال وجود خطر.
وقد تغير هذا الافتراض عندما حضر رجال يرتدون سترات واقية لجمع عينات من التربة والمحاصيل، وبعد عدة أشهر تلقى خطابًا سُلِّم إليه باليد يخبره بأنَّ محصول البنجر الذي زرعه احتوى على أعلى مستوى من مادة PFOA بين المنتجات التي خضعت للاختبار.
وفي ظل عدم وجود مستوى إرشادي بريطاني محدد لمادة PFOA في التربة، قورنت النتائج بالمعيار المستخدم في بلجيكا؛ إذْ سجلت إحدى عينات الحديقة الزراعية سبعة أضعاف هذا المستوى. وكشفت النتائج كيف يمكن أنْ تنتقل المواد الكيميائية من المواقع الصناعية إلى الأراضي الزراعية والمحاصيل القريبة.
وعلى ذلك أوصت وكالة البيئة التابعة لمدينة لانكشاير بتصنيف الحديقة أرضًا ملوثة رسميًّا، بعدما خلصت إلى أنها قد استوفت المعايير القانونية لذلك؛ وبالتالي قرر المجلس المحلي Exitها وتغيير أقفالها.
عندئذٍ أمضى “آلان” أسابيعه Latest في إزالة النباتات والتخلص من محاصيل أنفق عليها ماله ووقته، وترك الفراولة للطيور، وألقى النباتات التي رعاها منذ أنْ كانت شتلات صغيرة. ومع فقدانه المكان الذي كان يساعده على استعادة هدوئه، بدأ يعاني اضطرابات النوم وشعورًا ثقيلًا بأنَّ سنوات عمره داخل الحديقة قد ضاعت.
وعلى الجانب الآخر من السياج تعيش “سام هاموند” مع أطفالها الخمسة، حيث أظهرت عينات جُمعت من حديقة منزلها مستويات أعلى بكثير؛ إذْ سجلت إحداها تركيزًا يعادل 40 ضعفًا فوق المستوى الإرشادي المستخدم في بلجيكا.
أما النتيجة الأكثر إثارة للقلق فجاءت من بيض البط الذي كانت تنتجه الأسرة؛ إذْ كشفت التحاليل عن أنَّ تناول بيضة واحدة كل أسبوع يمكن أنْ يجعل التعرض لمواد PFAS يتجاوز المستوى الأسبوعي الآمن المعتمد في أوروبا بنحو عشرة أضعاف، حينما كانت “سام” وأطفالها يتناولون هذا البيض كل يوم سنواتٍ طويلة.
بالرغم من ذلك لم تحصل الأسرة حتى الآن على تفسير كامل لما تعنيه النتائج لصحتها أو لمنزلها، وأصبح القلق حاضرًا منذ لحظة استيقاظ “سام” حتى محاولتها النوم؛ مما دفعها إلى زيادة جرعة أدويتها المرتبطة بالصحة النفسية.
وهنا يلتقي أثر المواد الكيميائية مباشرة مع مسار التنمية المستدامة؛ لأنَّ حماية الصحة ترتبط بسلامة التربة والغذاء والمياه، كما تعتمد أنماط الإنتاج المسئول على منع انتقال الأضرار الصناعية إلى المجتمعات المحيطة، فعندما تفقد أسرةٌ الثقةَ في حديقتها ومائدتها تتحول المشكلة البيئية إلى أزمة صحية واجتماعية واقتصادية متكاملة.
سكان عالقون بين القلق وانتظار الإجابات
وحول ذلك تؤكد السلطات المحلية أنَّ التحقيقَ معقد من الناحيتين العلمية والقانونية، والقراراتِ يجب أنْ تستند إلى أدلة قوية يمكن الدفاع عنها، وكذلك تقول الجهات المشاركة إنها ملتزمة بالشفافية، وستتواصل مع السكان بعد الوصول إلى نتائج رسمية.
ومهما يكن الأمر فإنَّ مسار التحقيق العلمي يسير بوتيرة أبطأ من حاجة السكان إلى إجابات واضحة؛ فإنَّ “آلان” يSearch For أرض بديلة، وتريد “سام” أنْ تعرف ما إذا كان منزلها آمنًا لها ولأطفالها أم لا، فيما لا تزال “ليز” تSearch For إجابة للسؤال الذي يرافقها منذ اكتشاف التلوث.
وفي العموم فإنَّ “ليز” قد تعافت من السرطان منذ عام 2019 بعد استئصال كليتها اليسرى، لكنها ترى أنَّ ما يحتاج إليه سكان المنطقة اليوم هو معلومات دقيقة وفحوص صحية منتظمة تساعدهم على اكتشاف أي أخطار محتملة في مراحل مبكرة، بدلًا من انتظار نتائج قد تستغرق سنوات.
وبالتوازي مع التحقيقات الرسمية بدأ المسار القانوني في التبلور؛ فقد أبدى أكثر من 90 إنسانًا اهتمامًا بالانضمام إلى تحرك قانوني محتمل، فيما خضع 50 من السكان لفحوص الدم خلال الصيف. وكذلك يحقق أحد مكاتب المحاماة في إمكانية رفع دعوى -نيابة عن سام- تتعلق بفقدان الانتفاع بأرضها والأضرار الشخصية المحتملة.
في المقابل أكدت شركة “إيه جي سي كيميكالز يوروب” أنها تتعامل بجدية مع مسئولياتها تجاه الموظفين والمجتمع المحلي والبيئة، مشيرةً إلى أنَّ التقرير الحكومي لم يثبت وجود تجمع سرطاني ذي دلالة إحصائية، أو تركز الحالات بالقرب من موقعها الحالي، كما لم يثبت وجود علاقة بين مستويات التلوث البيئي والإصابة بالمرض.
وتبرز هذه المعطيات أهمية التمييز بين القلق المجتمعي المشروع والنتائج العلمية المثبتة؛ لأنَّ وجود تلوث واسع النطاق وارتفاع في بعض المؤشرات الصحية يفرضانِ مزيدًا من التحقيق والشفافية، إلا أنَّ إثبات علاقة سببية مباشرة بين التعرض لمركبات PFAS والإصابة بأمراض محددة يتطلب بيانات أشمل، وفحوصًا صحية أوسع، ودراسات علمية أعمق.
وختامًا، ترى Earth Guards Foundation أنَّ مواجهة آثار المواد الكيميائية تتطلب ضمان حق السكان في المعلومات والفحوص الصحية، إلى جانب تشديد الرقابة على المنشآت الصناعية، ومعالجة التربة الملوثة، وتحديد المسئولية عن الأضرار.
وريثما ينتظر سكان مدينة لانكشاير نتائج التحقيقات تبقى الحدائق المغلقة والمحاصيل المتروكة شواهدَ على أزمة لم تعد محصورة خلف أسوار المصنع. أمَّا “ليز” فلا تزال تSearch For إجابة واضحة لسؤال واحد، هو: هل تسببت المواد الكيميائية في إصابتها بالسرطان؟