دراسة في غانا تبحث دور الأسرة في تعليم الأطفال.. المتابعة المنزلية تصنع فارقا

دراسة في غانا تبحث دور الأسرة في تعليم الأطفال.. المتابعة المنزلية تصنع فارقا
لا يبدأ تعليم الأطفال عند باب الفصل، ولا ينتهي بانتهاء اليوم الدراسي؛ إذ تتشكل كثير من مهاراتهم الأولى داخل المنزل، من خلال ما يقرؤونه وما يتلقونه من تشجيع ومتابعة. وبينما ينصب الاهتمام غالبًا على جودة المدارس والمناهج وأعداد المعلمين، تكشف دراسة أُجريت في غانا أن مشاركة أحد أفراد الأسرة في القراءة مع الطفل أو مساعدته على متابعة واجباته قد ترتبط بتحسن واضح في أدائه، حتى داخل المنازل محدودة الموارد التعليمية.
وتزداد أهمية هذه النتائج في ظل التحديات التي يواجهها التعليم الأساسي في غانا، حيث يسجل 6 من كل 10 تلاميذ في الصف الرابع الابتدائي أداءً دون المستوى الأساسي في الرياضيات، بينما لا يحقق نصف تلاميذ الصف نفسه المستوى المطلوب في اللغة الإنجليزية.
ورغم أن هذه المؤشرات تتعلق بتلاميذ يبلغ متوسط أعمارهم نحو 10 سنوات، فإن جذور التعثر الدراسي قد تمتد إلى مراحل أبكر بكثير؛ ففي رياض الأطفال والسنوات الأولى من التعليم الابتدائي، يبدأ الطفل في اكتساب مهارات القراءة والحساب والاستدلال، وهي المهارات التي تحدد قدرته على مواصلة التعلم والتقدم خلال المراحل التالية.
تعليم الأطفال يبدأ من المنزل
تركز السياسات التعليمية في الدول منخفضة الدخل غالبًا على ما يحدث داخل المدرسة، مثل تطوير المناهج وتوفير الكتب وتدريب المعلمين وتحسين البنية التحتية. ورغم أهمية هذه العناصر، فإن التعلم لا يبدأ عند باب الفصل ولا ينتهي بمغادرة الطفل للمدرسة.
فالمنزل هو أول مساحة يتعرض فيها الطفل للكلمات والأرقام والأسئلة، كما يمثل أفراد الأسرة أول مصدر للتوجيه والتشجيع. ويمكن لممارسات بسيطة، مثل قراءة قصة أو السؤال عما تعلمه الطفل أو مساعدته على فهم الواجبات، أن تمنحه فرصًا إضافية للممارسة وتثبيت المهارات.
لكن بعض الآباء ومقدمي الرعاية قد لا يدركون حجم التأثير الذي يمكنهم إحداثه، خاصة إذا كانت فرصهم التعليمية محدودة أو كانوا يعتقدون أن متابعة الدراسة مسئولية المدرسة وحدها. ولهذا لا تزال مشاركة الأسرة في التعليم المبكر محدودة نسبيًّا في غانا، رغم الدور الذي يمكن أن تؤديه في دعم الأطفال.

دراسة تشمل 3742 طفلًا
أجرت الباحثتان جوانا كيي، من المعهد الغاني للإدارة والإدارة العامة، وبيرل كيي، من جامعة غانا، دراسة ميدانية لفهم تأثير البيئة المنزلية ومشاركة مقدمي الرعاية في تعليم الأطفال خلال السنوات الدراسية الأولى. فجمعتا بيانات من 3742 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 4 و8 سنوات، يدرسون في مرحلة رياض الأطفال الأولى والثانية والصف الأول الابتدائي.
وشملت العينة تلاميذ من 62 مدرسة حكومية وخاصة في منطقتي أكرا الكبرى والوسطى في غانا، ركز الباحثون فيها على ثلاثة عوامل منزلية رئيسية، هي الموارد المتاحة داخل المنزل، ومدى مشاركة مقدمي الرعاية في التعلم، وشكل الأسرة التي يعيش فيها الطفل.
وتضمنت الموارد المنزلية الكتب والألعاب وأجهزة تكنولوجيا المعلومات وغيرها من الأدوات التي يمكن أن تتيح للطفل فرصًا إضافية للاكتشاف والتعلم. أما مشاركة مقدمي الرعاية، فشملت القراءة مع الأطفال ومساعدتهم على أداء الواجبات المدرسية.
وقيَّم الباحثون أداء الأطفال باستخدام كتيبات أنشطة متوافقة مع منهج هيئة التعليم في غانا، ومصممة لتناسب كل مرحلة دراسية. وشملت الاختبارات أنشطة في المطابقة والتعرف على الحروف والأشكال والحيوانات، إلى جانب العد واكتشاف الأنماط وإجراء العمليات الحسابية البسيطة وتكوين الكلمات وترتيب الصور.

اهتمام الأسرة يرتبط بدرجات أعلى
أظهرت النتائج، كما كان متوقعًا، أن الأطفال الذين يعيشون في منازل تمتلك موارد تعليمية أكبر حققوا أداءً أكاديميًّا أفضل. فالكتب والألعاب والأجهزة الرقمية توفر فرصًا أوسع للممارسة وتنمية المهارات.
لكن الموارد لم تكن العامل الوحيد المؤثر في تعليم الأطفال؛ إذ ظهر ارتباط واضح بين ما يفعله مقدمو الرعاية داخل المنزل ونتائج الأطفال في الاختبارات.
فقد سجل الأطفال الذين قرأ معهم أحد أفراد الأسرة أو ساعدهم على حل الواجبات درجات أعلى بنحو 9% مقارنة بالأطفال الذين لم يحصلوا على هذا النوع من المشاركة، وذلك بعد احتساب عوامل مثل العمر والمرحلة الدراسية ومستوى الموارد المتاحة داخل المنزل.
وتشير هذه النتيجة إلى أن التفاعل المباشر مع الطفل قد يساعده على مراجعة ما تعلمه في المدرسة، ويمنحه مساحة لطرح الأسئلة والتدرب على المهارات التي لم يتمكن من إتقانها داخل الفصل.
كما وجد الباحثون أن القراءة مع الأطفال كانت مفيدة بصورة خاصة في مرحلة رياض الأطفال، حيث يكون الطفل في بداية تعرفه على الحروف والكلمات والأصوات. أما في الصف الأول الابتدائي، فقد ارتبط الجمع بين القراءة ومتابعة الواجبات بأقوى النتائج الإيجابية.
وحقَّق تلاميذ الصف الأول نتائج أعلى من تلاميذ رياض الأطفال بصورة عامة، لكن الفروق المرتبطة بالمرحلة الدراسية كانت أكبر بين الأطفال الذين شارك أفراد الأسرة بفاعلية في تعلمهم.
الاهتمام يعوض جزءًا من نقص الموارد
لا تعني نتائج الدراسة أن مشاركة الأسرة يمكن أن تعوض بالكامل غياب الكتب أو ضعف الإمكانات التعليمية، لكنها تكشف أن الاهتمام قد يخفف جزءًا من الفجوة بين المنازل الغنية بالموارد والمنازل الأقل قدرة.
فقد فسرت مشاركة مقدمي الرعاية جزءًا من أسباب تفوق الأطفال المنتمين إلى الأسر الأفضل تجهيزًا، كما ساعدت على تقليص الفارق في الأداء بين الأطفال ذوي الموارد المختلفة.
وتمنح هذه النتيجة مشاركة الأسرة بُعدًا يتجاوز تحسين الدرجات، إذ يمكن أن تسهم في توسيع فرص التعلم أمام الأطفال الذين لا تتوافر في منازلهم موارد تعليمية كافية، بما يدعم الوصول إلى تعليم أكثر إنصافًا وشمولًا، وينسجم ذلك مع الهدف الرابع المعني بالتعليم الجيد، والهدف العاشر المعني بالحد من أوجه عدم المساواة.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية كبيرة في البيئات محدودة الدخل، لأن تحسين تعليم الأطفال لا يتطلب دائمًا تدخلات مكلفة أو توفير أجهزة متطورة لكل منزل. فقد يكون تخصيص وقت للقراءة أو مناقشة اليوم الدراسي أو التأكد من إنجاز الواجبات من بين الأدوات البسيطة التي يمكن أن تحقق فائدة ملموسة.
ويرتبط الأمر بإجادة مقدم الرعاية للمناهج الدراسية بصورة كاملة، فضلًا عن إظهار الاهتمام وتشجيع الطفل على الاستمرار وتوفير مساحة منتظمة للمراجعة والتدريب.

الدعم أهم من شكل الأسرة
تناولت الدراسة أيضًا الاعتقاد الشائع بأن الأطفال الذين يعيشون مع أحد الوالدين فقط قد يكونون أكثر عرضة للتراجع الدراسي. لكن النتائج لم تكشف عن ارتباط مباشر بين شكل الأسرة والتحصيل الأكاديمي بعد احتساب الموارد المنزلية ومشاركة مقدمي الرعاية.
فقد حقق الأطفال الذين يعيشون مع الوالدين، أو مع أحدهما، أو ضمن ترتيبات أسرية أخرى، نتائج متقاربة عندما توافرت لهم مستويات مماثلة من الدعم والاهتمام.
وتوضح هذه النتيجة أن العامل الأهم يتمثل في وجود شخص يهتم بتعلم الطفل ويتابع تقدمه بغض النظر عن شكل الأسرة. وقد يكون هذا الشخص الأب أو الأم، لكنه قد يكون أيضًا الجد أو الجدة أو أحد الأقارب أو الأشقاء الأكبر سنًا.
وفي كثير من دول إفريقيا جنوب الصحراء، يشارك الأجدادُ والأقاربُ والأشقاءُ الأكبر سنًا الأبَ والأمَّ في رعاية الطفل. ويمكن الاستفادة من هذا الدور في توسيع دائرة الأشخاص القادرين على متابعة تعليم الأطفال ودعمهم داخل المنزل.
سياسات تعليمية تتجاوز المدرسة
تقترح الدراسة أن برامج تحسين التعليم المبكر ينبغي أن تقدم للأسر إرشادات عملية حول كيفية دعم تعليم الأطفال بعد انتهاء اليوم الدراسي، ويمكن للمدارس توضيح الأنشطة المناسبة لكل مرحلة عمرية، واقتراح طرق بسيطة للقراءة المشتركة، وتشجيع الأسر على سؤال الأطفال عما تعلموه ومراقبة الواجبات دون القيام بها بدلًا منهم.
كما يمكن للبرامج التعليمية أن تراعي اختلاف مستويات تعليم مقدمي الرعاية، وأن تقدم تعليمات واضحة لا تتطلب مهارات متقدمة أو موارد مالية كبيرة. ففي حال تعذر على أحد الوالدين القراءة مع الطفل، يمكن تشجيع فرد آخر قادر داخل الأسرة على تولي هذه المهمة.
ويحول هذا النهج الأسرة من متلقٍ للخدمة التعليمية إلى شريك فاعل فيها، ويعزز التواصل بين المنزل والمدرسة بدلًا من التعامل معهما بوصفهما مساحتين منفصلتين.
تعليم أكثر استدامة وتكافؤًا
ترتبط نتائج الدراسة بالهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، المعني بضمان التعليم الجيد والمنصف والشامل للجميع. فإلحاق الطفل بالمدرسة لا يكفي، إذا لم يتمكن من اكتساب مهارات القراءة والحساب اللازمة لمواصلة تعليمه.
كما يتصل دعم تعليم الأطفال داخل المنزل بالهدف العاشر المتعلق بالحد من أوجه عدم المساواة، لأن مشاركة الأسرة قد تمنح الأطفال في المنازل محدودة الموارد فرصًا إضافية لمراجعة الدروس وتقوية المهارات.
وتبرز أهمية الاستثمار في السنوات الأولى؛ إذ يمكن للصعوبات التي لا تُعالج في رياض الأطفال والصفوف الابتدائية أن تتراكم، وتجعل اللحاق بالمستوى المطلوب أكثر صعوبة في المراحل اللاحقة. ومن ثم، فإن دعم الطفل مبكرًا يمثل استثمارًا في مستقبله التعليمي وفي رأس المال البشري للمجتمع.
ومن جانبها، تسلط Earth Guards Foundation الضوء على أهمية دمج الأسر ضمن سياسات تعليم الأطفال في المرحلة المبكرة، باعتبارها شريكًا أساسيًّا في بناء تعليم أكثر شمولًا واستدامة، مع ضرورة تزويدها بالأدوات والإرشادات التي تساعدها على القيام بهذا الدور.
ولا تحل الأسرة محل المدرسة أو المعلم، لكنها تستطيع أن تكمل عملهما. فقد تكشف قصة تُقرأ قبل النوم، أو دقائق تُخصص لمراجعة الواجب، عن قوة تدخلات بسيطة يمكن أن تمنح الطفل أساسًا أكثر صلابة، وتفتح أمامه فرصة أفضل للتعلم والتقدم.




