30 ساعة تحت المياه.. فيضانات بانكوك تدفع الآلاف إلى الملاجئ وتختبر البنية التحتية

30 ساعة تحت المياه.. فيضانات بانكوك تدفع الآلاف إلى الملاجئ وتختبر البنية التحتية
ظل “كوسين نيلسيت” يدفع المياه خارج منزله باستخدام المكنسة طوال يوم الأحد الماضي، بعدما بقي الطابق الأرضي غارقًا نحو 30 ساعة، حيث رفع الرجل وأسرته ما استطاعوا من الأثاث حين تجاوزت المياه الحاجز المحاذي لـ” قناة بريم براشاكون المائية – Khlong Prem Prachakon”، لكن الفيضان سبقهم إلى بقية المنزل.
حينها قال “كوسين” الموظف البالغ من العمر 44 عامًا: إنَّ مستوى المياه هذه المرَّة تجاوز ما يتذكره من فيضانات عام 2011، التي أودت بحياة أكثر من 500 إنسان في أنحاء تايلاند، وألحقت أضرارًا بملايين المنازل.
وخلف باب منزله كانت فيضانات بانكوك ترسم المشهد نفسه في أحياء أخرى؛ طرق غمرتها المياه، متاجر تحولت ساحاتها إلى بِرك عميقة، ومدارس فتحت أبوابها لاستقبال آلاف السكان بعد أيام من الأمطار الغزيرة.
52 ألف أسرة وسط المياه
لقد أضرَّت الفيضانات -بحسَبِ بيانات إدارة بانكوك الحضرية التي أعلنت حالة الكارثة في العاصمة- نحو 52 ألف أسرةٍ، فيما انتقل حوالي 4,900 إنسان إلى مراكز إيواء مؤقتة، وذلك بعدما تجاوزت كمية الأمطار في بعض أحياء المدينة 330 مليمترًا، بالإضافة إلى مستويات المياه التي ظلت مرتفعة داخل شبكة قنوات تصريف مياه الأمطار.
ولإدراك حجم الكارثة لنا أنْ نعلم أنَّ سكان تايلاند معتادينَ على الأمطار الموسمية، التي يبلغ موسمها ذروته في سبتمبر من كل عام، غير أنَّ الواقع يكشف عن أنَّ ما حدث هذا العام قد خرج بالفعل عن المألوف بالنسبة إليهم.
سبب ذلك هو أنَّ فيضانات بانكوك قد صارت على نحوٍ متسارعٍ كارثةً ضربت المنازل والعمل والتعليم، وكل ما تشتمل عليه الحركة اليومية؛ الأمر الذي فرض على السلطات مواصلة تشغيل أنظمة التصريف، ومحاولة دفع المياه خارج المناطق المتضررة.

ولمتابعة كيف تتحول الفيضانات إلى أزمات إنسانية واسعة في آسيا، اقرأ : فيضانات نيبال تتحول إلى كارثة كبرى.
مدينة تتحرك بصعوبة
في شرق بانكوك سار السكان وسط مياه عكرة، وصلت في بعض الأماكن إلى مستوى الركبتينِ، مرتدِينَ معاطفَ بلاستيكيةً، ممسكينَ بصناديق أغراضهم وأوعية عائمة، وفي مواقف بعض متاجر البقالة أصبحت الحركة نفسها مهمة شاقة، وكذلك بقيت عدة طرق تحت المياه؛ مما دفع حاكم بانكوك “تشادتشارت سيتيبونت” إلى مطالبة السكان بتقليل حركة التنقل قدر الإمكان.
وكذلك امتدت تداعيات الأزمة إلى الأسواق، فقد فرغت بعض أرفف المتاجر في عطلة نهاية الأسبوع بعد اندفاع السكان إلى شراء الاحتياجات الأساسية، فيما دعت الحكومة إلى تجنب الشراء المدفوع بالخوف والذعر، كما حذرت التجار من رفع الأسعار.
والسؤال المهم هنا، هو: هل تكفي استجابة الطوارئ وحدها أمام مدينة يسكنها الملايين؟ لذلك يضع الهدفُ الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة، الخاص بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة؛ القدرةَ على الصمود أمام الكوارث ضمن ركائز المدينة الآمنة.
المدارس تصبح مأوى
في مدرسة بـ”منطقة كيها رومكلاو – Kheha Romklao”، تغيرت وظيفة الفصول الدراسية في ساعات معدودة، حيث نُقل نحو ألف متضرِّرٍ إلى مركز إيواء أُقيم داخل المدرسة، وهناك نام بعضهم على المقاعد في الممرات، وافترش آخرون أرضيات الفصول التي دُفعت طاولاتها وكراسيها جانبًا لإفساح مكان للعائلات.
ومع استمرار آثار فيضانات بانكوك أعلنت السلطات Exit مئات المدارس يوم الاثنين، لتضيف الأزمة عبئًا جديدًا على الأُسر التي تحاول في الوقت نفسه حماية منازلها وممتلكاتها والSearch For مكان آمن للبقاء.
وعلى ذلك تكشف هذه الاستجابة أحد أوجه مرونة المدن؛ لأنَّ المبنى المدرسي يتحول عند الضرورة إلى مساحة إنقاذ، وتصبح البنية العامة للمدينة شبكة دعم اجتماعي في لحظة الأزمة، وذلك ما يبلوره الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة: مدن ومجتمعات محلية مستدامة.

أنام على الطاولة منذ يومين
وعلى امتداد “قناة بريم براشاكون”، اختارت “ثيدارات سيلسوان” -البالغة 56 عامًا- البقاءَ في منزلها وحيدة، على الرغم من أنَّ المياه قد تسربت إلى أجزاء حساسة منه، وكان اختيارها هذا من أجل تنظيف المكان، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ممتلكاتها.
لقد قضت هذه المرأة يومينِ تنام فوق طاولة بعيدًا عن المياه، وحاولت رفع أغراضها إلى مستويات أعلى، قبل أنْ تتوقف أمام الأجهزة الكبيرة التي يصعب تحريكها، ومنها الثلاجة والغسالة اللتانِ بقيتَا في مكانهما وسط انتظار تعرضهما للتلف في حسرة.
بعد انحسار المياه
حين بدأ مستوى المياه ينخفض، عاد بعض السكان إلى منازلهم حاملين المكانس والأوعية وأدوات التنظيف، حيث كانت المهمة الأولى بسيطة في ظاهرها، وهي:
- إخراج المياه
- تجفيف ما بقي
إذنْ، تترك قصة “ثيدارات” وراءها آثارًا تمتد إلى أبعد من الطين والأثاث التالف، وتمنح أرقام الكارثة وجهًا أكثر قربًا؛ فكل منزل متضرر يحمل وراءه تكلفةً مالية وأزمة نفسية، وساعاتٍ من العمل المضني لإزالة المياه، وأيامًا قد يحتاجها السكان لاستعادة تفاصيل حياتهم العادية.
عندما يصبح المطر اختبارًا للمناخ
بناءً على ذلك المشهد الكارثي نجد معنًى وحقيقةً لتحذيرات العلماء من خطورة ارتفاع حرارة الكوكب، بسبب انبعاثات الوقود الأحفوري؛ الأمر الذي يزيد من شدة وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة.
وانطلاقًا من الهدف الثالث عشر للتنمية المستدامة، المعني بالعمل المناخي، تصبح القدرة على التكيف مع هذه المخاطر جزءًا من الاستعداد اليومي للمدن؛ وهذا من خلال:
- تحسين شبكات التصريف
- توسيع أنظمة الإنذار
- تحديد المناطق الأكثر عرضة للغرق
- تطوير خطط إجلاء يمكن تنفيذها بسرعة
ولذلك تمنح فيضانات بانكوك هذه الغايات معنى ملموسًا؛ إذْ إنَّ كل ساعة تتأخر فيها المياه عن الانحسار تمتد آثارها إلى المنازل والمدارس والطرق والأسواق، وتزداد معها تكلفة العودة إلى الحياة الطبيعية.
وختامًا، فإنَّ مشاهد بانكوك بالنسبة إلى Earth Guards Foundation تضع الاستعداد المسبق في صميم قدرة المدن على مواجهة تغير المناخ؛ لأنَّ شبكات التصريف المرنة، والتخطيط الحضري، والمساكن الأكثر قدرة على تحمل الفيضانات، ومراكز الإيواء الجاهزة، كلها تصنع فارقًا حاسمًا عندما تسقط كميات ضخمة من الأمطار في أيام معدودة.
وحينئذٍ تصبح المدينة الأكثر استدامة هي التي تستطيع استيعاب الصدمة، وحماية سكانها، واستعادة خدماتها بسرعة، ثم تستخدم ما كشفته الكارثة لتقليل الخسائر عندما تعود الأمطار مرَّة أخرى؛ وبالتالي تحقق أهداف الاستدامة بشمولية وعدالة.




