أزمة الرعاية الصحية في بريطانيا.. هل قادت سياسات التقشف إلى تراجع جودة الحياة؟

أزمة الرعاية الصحية في بريطانيا.. هل قادت سياسات التقشف إلى تراجع جودة الحياة؟
يُعد التقشف في قطاع الرعاية الصحية -وما يصاحبه من تخفيض في الإنفاق الاجتماعي- سببًا من أسباب تراجع متوسط العمر الصحي المتوقع، فضلًا عن تأثير هذا النوع من التقشف في زيادة أوجه عدم المساواة والحرمان في مناطق دون مناطق، وهو مما يعيق من تحقيق هدف الصحة الجيدة والرفاه، الذي نصَّت عليه “أجندة التنمية المستدامة 2030“.
في هذا السياق تواجه الرعاية الصحية في بريطانيا ضغوطًا تشتد يومًا بعد يومٍ في ظل تراجع متوسط العمر الصحي، وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، وزيادة أوجه عدم المساواة الصحية بين أفراد المجتمع، وذلك كله وسط تحذيرات من تأثير سياسات التقشف الممتدة منذ أكثر من عقد.
ومِن هذه الزاوية تشير تقارير ودراسات حديثة إلى تراجع عدد السنوات التي يقضيها البريطانيون بصحة جيدة، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن؛ وهو ما أثار نقاشًا واسعًا بشأن العلاقة بين خفض الإنفاق الصحي وتراجع جودة الحياة.
ولذلك يرى أكاديميون وخبراء أنَّ سياسات التقشف التي طُبِّقت بين عامَي 2010 و2021 تسببت على نحوٍ ظاهرٍ في زيادة الأعباء الملقى بها على عاتق الخدمات الاجتماعية والصحية، خاصة في الأقاليم الأشد فقرًا داخل المملكة المتحدة، بما فيها إنجلترا، وإسكتلندا، وويلز. وقد تمثلت هذه السياسات التقشفية في خفض المزايا الحكومية الخاصة بالرعاية الصحية؛ فأدَّى هذا إلى تقليص مليارات الجنيهات الإسترلينية من الإنفاق الصحي.
تأثير سياسات التقشف في الرعاية الصحية
في هذا السياق كشفت تحليلات صادرة عن مؤسسة الصحة (بالإنجليزية: Health Foundation) عن تراجع حاد ومقلق في متوسط العمر الذي يجب أنْ يقضيه البريطانيون بصحة جيدة في العقد الممتد من (2012 – 2014) إلى (2022 – 2024).
وبشكل أكثر تفصيلًا نجد أنَّ المناطق الصناعية القديمة -وهي الأقل دخلًا- كانت الأشد تأثرًا بخفض الإنفاق الصحي، حيث اتسعت الفجوة التمويلية الصحية في هذه المناطق بحوالي 447 مليون جنيه إسترليني في المدة بين 2025 و2026!

عدم المساواة الصحية
هذه المؤشرات الصحية البريطانية تكشف -بحسَبِ بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية- عن اتساعٍ ملحوظٍ في الفجوات ذات الصلة بعدم المساواة بين المناطق والفئات الاجتماعية المختلفة. وهي تلك المناطق التي تواجه معدلات أعلى من الأمراض الطويلة الأجل أو المزمنة، إلى جانب ارتفاع أعداد المرضى الذي يدرجون في قوائم الانتظار؛ وهو الأمر الذي يمنع من تحقيق تقدم ملموس في الهدف الثالث: الصحة الجيدة والرفاه.
الرعاية الصحية وجودة الحياة في بريطانيا
إنَّ تحديات الرعاية الصحية في بريطانيا قوية الصلة بمجالات وقطاعات واسعة التأثير، من بينها:
- الغذاء
- الإسكان
- الصحة النفسية
ومن بين الأسباب التي تعود إلى هذه المشكلة، هو خضوع السياسيين لنفوذ الشركات الكبرى وأنشطتها التوسعية، وتحديدًا شركات الأغذية الكبرى (Big Food)، التي تكون مدفوعة -في العادة- بصناعات غير خاضعة للمساءلة؛ وبالتالي تراجع الوصول إلى الغذاء الصحي، فتكون النتيجة تفاقمًا في المشكلات الصحية؛ وذلك يوجِّه الانتباه إلى ضرورة تعزيز السياسات الوقائية والاستثمار في الصحة المجتمعية، بدلًا من التركيز على العلاج والخدمات الطبية التقليدية.
الرعاية الصحية والاستدامة الاجتماعية
من جهة أخرى تعكس المشكلات الحالية في قطاع الصحة البريطاني أهمية النظر إلى الرعاية الصحية باعتبارها جزءًا أساسيًّا من الاستدامتينِ الاجتماعية والاقتصادية، خاصة مع تأثيرها المباشر في جودة الحياة.
ولذلك تسعى دول كثيرة إلى تبني حلولٍ أكثر استدامةً، حلولٍ تعتمد على تعزيز الرعاية الصحية المجتمعية، ودعم برامج الصحة النفسية، وتطوير سياسات وقائية تستهدف الأمراض المزمنة وأمراض السمنة وكذلك أمراض سوء التغذية، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية الصحية.

وختامًا، فإنَّ مؤسسة حماة الأرض تذهب -من خلال رصد حالة القطاع الصحي في بريطانيا- إلى أنَّ تحسين الرعاية الصحية يتطلب سياسات اجتماعية واقتصادية أكثر استدامة؛ من أجل العمل على دعم جودة الحياة، والحد من معدلات الفقر، وزيادة مؤشرات العدالة الاجتماعية، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة على المدى الطويل.




