25 قتيلًا و57 ألف متضرر.. فيضانات الهند تحاصر ولايات الشمال
حوَّلت الأمطار الموسمية الغزيرة عطلة نهاية الأسبوع إلى موجة جديدة من الخسائر في شمال الهند وشمالها الشرقي، بعدما اجتاحت الفيضانات عددًا من المناطق، وتسببت الانهيارات الأرضية في سقوط عشرات القتلى، إلى جانب تضرر آلاف الأشخاص، في حين تواصل فرق الإنقاذ البحث عن مفقودين وسط توقعات باستمرار الطقس المضطرب خلال الأيام المقبلة.
وتكشف الكارثة أن الخطر يرتبط بغزارة الأمطار، فضلًا عن قدرة المدن والقرى على استيعابها ومواجهة آثارها. فضعف شبكات التصريف، وهشاشة الطرق في المناطق الجبلية، وصعوبة الوصول إلى بعض التجمعات السكنية، تجعل البنية التحتية القادرة على الصمود وأنظمة الإنذار المبكر عنصرين أساسيين لحماية الأرواح ودعم مسار التنمية المستدامة.
سجلت كشمير الخاضعة للإدارة الهندية العدد الأكبر من الضحايا، بعدما لقي ما لا يقل عن 15 شخصًا حتفهم في حوادث منفصلة مرتبطة بالأمطار داخل مقاطعات بونش وراجوري ودودا، وفق مسئول بارز في الشرطة.
ولا تزال السلطات تبحث عن عدد من المفقودين، في ظل صعوبة الوصول إلى بعض المواقع المتضررة واستمرار سقوط الأمطار، التي تسببت في تدفق المياه عبر الطرق والمناطق السكنية وزادت خطر انهيار التربة في المناطق الجبلية.
وفي ولاية ناجالاند الواقعة شمال شرق البلاد، أدت الأمطار المستمرة إلى وقوع عدة انهيارات أرضية أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص. وأعلنت فرق الإنقاذ انتشال أربعة جثامين، بينما تواصل عملياتها في المناطق التي غمرتها الأتربة والصخور.
أما في ولاية آسام المجاورة، فقد تسببت فيضانات الهند في وفاة شخص واحد، وفق هيئة إدارة الكوارث بالولاية، التي أشارت إلى أن الأمطار الغزيرة أثرت في أكثر من 57 ألف شخص موزعين على سبع مقاطعات.
57 ألف شخص وسط دائرة الأضرار
لا تعكس حصيلة الوفيات وحدها حجم الكارثة، إذ تسببت الأمطار الغزيرة في اضطراب حياة عشرات الآلاف من السكان، سواء بسبب غمر المنازل والطرق أو صعوبة التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية.
وفي آسام، تعد فيضانات الهند من أبرز المخاطر المتكررة خلال موسم الرياح الموسمية، إذ ترتفع مناسيب الأنهار وتتوسع المياه في المناطق المنخفضة، ما يهدد التجمعات السكنية والأراضي الزراعية.
ومع تأثر أكثر من 57 ألف شخص خلال موجة الأمطار الأخيرة، تواجه السلطات تحديات مرتبطة بتوفير المأوى والمساعدات العاجلة، إلى جانب حماية السكان في المناطق المعرضة لمزيد من الفيضانات إذا استمرت الأحوال الجوية الحالية.
وتزداد صعوبة الاستجابة في المناطق التي تتعرض فيها الطرق للغمر أو الانهيار، إذ يمكن أن تتحول بعض القرى خلال ساعات إلى مناطق معزولة يصعب وصول فرق الإنقاذ والإمدادات إليها.
الرياح الموسمية تنذر بمزيد من الخسائر
حذرت هيئة الأرصاد الجوية الهندية من أن الظروف النشطة للرياح الموسمية ستستمر في شمال غرب وشرق وشمال شرق الهند خلال فترة تتراوح بين ستة وسبعة أيام.
وتعني هذه التوقعات أن الخطر لم ينتهِ بانحسار المياه في بعض المناطق، إذ قد تؤدي الأمطار الجديدة إلى ارتفاع مناسيب الأنهار وتشبع التربة بالمياه، ما يزيد احتمالات وقوع انهيارات أرضية جديدة، وتبرز هذه التطورات أهمية تعزيز إجراءات التكيف مع الظواهر الجوية المتطرفة، تماشيًا مع الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالعمل المناخي.
وتشكل المناطق الجبلية تحديًا خاصًّا خلال الأمطار الغزيرة، لأن تشبع المنحدرات بالمياه يمكن أن يؤدي إلى انهيار كتل من التربة والصخور فوق الطرق والمنازل، بينما تعرقل التضاريس الوعرة عمليات الإنقاذ والوصول إلى المصابين.
كما قد تتسبب الانهيارات في قطع الطرق الرئيسية وتعطيل حركة الإمدادات والنقل، ما يضاعف الآثار الاقتصادية والإنسانية للكوارث، حتى في المناطق التي لا تتعرض للغمر المباشر.
نيبال تواجه امتدادًا للأزمة
امتدت آثار الرياح الموسمية إلى نيبال المجاورة، حيث أعلنت الهيئة الوطنية للحد من مخاطر الكوارث وإدارتها مقتل 27 شخصًا منذ بداية الموسم في منتصف يونيو.
كما لا يزال شخص واحد في عداد المفقودين، فيما أصيب 69 آخرون نتيجة الفيضانات والانهيارات الأرضية والأمطار الغزيرة والصواعق.
وأدت الانهيارات إلى إغلاق عدة طرق سريعة بسبب تراكم الصخور والأتربة، من بينها الطريق الذي يربط العاصمة كاتماندو بالسهول الجنوبية، ما أثر في حركة المواطنين ونقل السلع بين المناطق.
وتوقعت هيئة الأرصاد النيبالية هطول أمطار تتراوح شدتها بين الخفيفة والمتوسطة في معظم أنحاء البلاد، مع احتمال سقوط أمطار غزيرة في مواقع متفرقة داخل مقاطعات كوشي وباغماتي وغانداكي ولومبيني.
يكشف امتداد أضرار فيضانات الهند إلى نيبال المجاورة عن حجم التحديات التي تواجهها المناطق الواقعة حول جبال الهيمالايا خلال موسم الرياح الموسمية، حيث يمكن للأمطار المستمرة أن تهدد المدن والقرى والطرق في وقت واحد.
بنية تحتية قادرة على مواجهة الكوارث
تظهر الخسائر المتكررة أن التعامل مع الفيضانات والانهيارات الأرضية يتطلب إرسال فرق الإنقاذ بعد وقوع الكارثة، إلى جانب توفير استثمارات طويلة المدى في الوقاية والاستعداد.
وتكشف فيضانات الهند عن الحاجة إلى تطوير شبكات تصريف المياه، ومراقبة المنحدرات الجبلية، وإعداد خرائط دقيقة للمناطق المعرضة للانهيار، إلى جانب تحسين أنظمة الإنذار المبكر وخطط إجلاء السكان.
كما تحتاج الطرق والجسور في المناطق الجبلية إلى تصميمات وصيانة تراعي مخاطر الأمطار الغزيرة وانجراف التربة، خاصة أن انهيار طريق رئيسي قد يؤدي إلى عزل مجتمعات كاملة وتعطيل وصول المساعدات.
ويرتبط ذلك ارتباطًا مباشرًا بالهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة المعني ببناء بنية تحتية قادرة على الصمود، والهدف الحادي عشر الخاص بجعل المدن والمستوطنات البشرية أكثر أمانًا واستدامة، إلى جانب الهدف الثالث عشر الذي يدعو إلى تعزيز القدرة على التكيف مع المخاطر والكوارث المرتبطة بتغير المناخ، والحد من آثارها على المجتمعات.
ومع استمرار توقعات الأمطار، تبقى حصيلة الضحايا مرشحة للارتفاع، بينما تواصل فرق الإنقاذ والسلطات المحلية متابعة المناطق الأكثر عرضة للخطر.
وفي الختام، تكشف هذه الأحداث أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة المجتمعات على التكيف مع واقع مناخي يزداد تقلبًا عامًا بعد آخر. فالكوارث الطبيعية تعيد اختبار كفاءة البنية التحتية، وسرعة الاستجابة، ومستوى التخطيط المسبق، وهي عناصر أصبحت تمثل خط الدفاع الأول لحماية الأرواح وتقليل الخسائر، ودعم مسار تنمية أكثر قدرة على مواجهة المخاطر المستقبلية.
وفي هذا السياق، تشير مؤسسة حماة الأرض إلى أن الحد من خسائر الكوارث يبدأ قبل سقوط الأمطار، من خلال التخطيط السليم، وتطوير أنظمة الإنذار، وحماية المجتمعات الأكثر عرضة للخطر، بما يضمن ألا تتحول كل موجة من الطقس القاسي إلى مأساة جديدة.