استعدادات مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026.. التنفيذ والتمويل يتصدران الأجندة

استعدادات مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026.. التنفيذ والتمويل يتصدران الأجندة
مع بقاء نحو خمسة أشهر على انعقاد مؤتمر المياه في أبوظبي، تتحرك الحكومات والمؤسسات الدولية لتحديد المبادرات التي يمكن أن تمنح الحدث أثرًا يتجاوز أيام انعقاده. فالمياه تقف في قلب الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، وترتبط كذلك بالصحة والأمن الغذائي والعمل المناخي والنمو الاقتصادي، ما يجعل المؤتمر اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على التعامل مع هذه الملفات ضمن منظومة واحدة.
ومن المقرر أن تستضيف الإمارات، بالشراكة مع السنغال، مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر. وتكشف التحضيرات الجارية عن تركيز واضح على الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، من خلال ستة مسارات للحوار، ومبادرات رئيسية، وآليات تمويل، وشراكات يُنتظر أن تمتد آثارها إلى قمة أهداف التنمية المستدامة في 2027 ومؤتمر الأمم المتحدة للمياه في 2028.
خمسة أشهر تفصل العالم عن مؤتمر المياه
عُرضت مستجدات التحضير للمؤتمر خلال فعالية جانبية عُقدت ضمن دورة 2026 من المنتدى السياسي رفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة، حيث ناقش ممثلو الحكومات والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية ما تحقق منذ بدء العملية التحضيرية، وما تبقى من خطوات قبل الانعقاد.
وتسعى الإمارات والسنغال، بصفتهما الدولتين المضيفتين، إلى الحفاظ على الزخم السياسي خلال الأشهر المقبلة، مع دفع المشاركين نحو تحديد مبادرات قابلة للتنفيذ، وربط المسارات المختلفة بأجندة واحدة بدل تحولها إلى مناقشات منفصلة.
ويأتي مؤتمر المياه في لحظة تؤكد فيها المؤسسات الدولية أن التقدم في الوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي ما يزال أبطأ من المطلوب، رغم التحسن الذي استفاد منه مليارات الأشخاص خلال السنوات الماضية. ومن هنا، تزداد الضغوط حتى يخرج المؤتمر بنتائج قابلة للمتابعة والقياس.

التنفيذ يصبح معيار النجاح
ركزت الرسائل الرئيسية في الجلسة التحضيرية على أن نجاح المؤتمر سوف يُقاس بحجم الالتزامات والشراكات والنتائج التي يستطيع إنتاجها.
وأكدت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة السيدة/ أمينة محمد أن المياه ترتبط بصورة مباشرة بالصحة والاقتصاد والتنمية الرقمية والسلام والقدرة على الصمود، داعية إلى أن يظل التنفيذ حاضرًا منذ الجلسة الأولى وحتى نهاية المؤتمر.
كما شدد السيد/ عبد الله بالعلاء، مساعد وزير الخارجية الإماراتي لشئون الطاقة والاستدامة، على أن الوصول إلى المياه حق أساسي، وأن نجاح مؤتمر المياه يعتمد على رفع الطموح وتحويل النقاشات إلى التزامات ملموسة تستمر بعد عام 2026.
ومن الجانب السنغالي، حدد السيد/ محمد دياتا، المسئول عن تنسيق التحضيرات، ثلاث أولويات للأشهر المقبلة: الحفاظ على القيادة السياسية رفيعة المستوى، وضمان الانسجام بين مسارات الحوار الستة، وترجمة التعهدات إلى إجراءات تنفيذية. ويعكس ذلك اتجاهًا نحو صياغة خريطة طريق مشتركة بدل مجموعة من المبادرات المتفرقة.
ستة مسارات ترسم أجندة المؤتمر
تعتمد التحضيرات على ستة حوارات تفاعلية تشمل: المياه من أجل الكوكب، والمياه من أجل الإنسان، والمياه في العمليات متعددة الأطراف، والاستثمارات من أجل المياه، والمياه من أجل التعاون، والمياه من أجل الازدهار.
ورغم اختلاف القضايا التي يتناولها كل مسار، فإن القائمين على المؤتمر يسعون إلى بناء رابط واضح بينها، بحيث تتكامل ملفات المناخ والتمويل والصرف الصحي والتعاون الدولي والإدارة الاقتصادية للموارد المائية.
ومن المنتظر أن تخرج هذه الحوارات خلال مؤتمر المياه بمجموعة من المبادرات الرئيسية التي تشكل الإطار التنفيذي للحدث، مع اعتماد معايير لاختيار المشروعات القادرة على تحقيق نتائج عملية والاستمرار بعد انتهاء المؤتمر. وفيما يلي، نوضح ملامح كل مسار، وأبرز القضايا والمبادرات التي تتصدر التحضيرات الخاصة به قبل انعقاد المؤتمر.

مصر واليابان تقودان مسار المياه من أجل الكوكب
تشارك مصر واليابان في رئاسة مسار “المياه من أجل الكوكب”، الذي يربط إدارة المياه بتغير المناخ والتنوع البيولوجي والتصحر والقدرة على الصمود والحد من مخاطر الكوارث.
وأشارت اليابان خلال عرض التحضيرات إلى أن الأولويات الناشئة تشمل تحسين الوصول إلى التمويل، إلى جانب تعزيز أنظمة الإنذار المبكر لمواجهة الفيضانات والجفاف والظواهر المرتبطة بالمناخ.
من جانبها، ركزت مصر على مبادرات بناء القدرات، مؤكدة أن المشروعات الرئيسية التي سيعلنها المسار يجب أن تسهم في تشكيل البنية التنفيذية للمؤتمر. كما تعمل الدولتان على إعداد معايير لاختيار هذه المبادرات، بما يضمن اتصالها بالأهداف العامة وقابليتها للتطبيق.
ويحمل أسبوع القاهرة للمياه، المقرر عقده في أكتوبر، أهمية خاصة ضمن هذا المسار، إذ يُنتظر أن يوفر فرصة لمواصلة المشاورات وتطوير المبادرات قبل انعقاد مؤتمر المياه في ديسمبر.
المياه من أجل الإنسان
يركز هذا المسار، الذي تقوده غانا وسويسرا، على تسريع الوصول إلى مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي والنظافة، وفق نهج قائم على حقوق الإنسان. كما يولي اهتمامًا خاصًا بالفئات الأكثر عرضة للتهميش أو الاستبعاد من الخدمات الأساسية.
ومن بين المقترحات المطروحة إنشاء منصة عالمية لدعم الخطط الوطنية للمياه ومتابعة التقدم في تنفيذها، بما يساعد الدول على الانتقال من الأهداف العامة إلى برامج محددة قابلة للقياس.
الاستثمار من أجل المياه
يُعد التمويل أحد أكثر الملفات حضورًا في التحضيرات، لأن تحسين خدمات المياه وبناء البنية التحتية يحتاجان إلى مشروعات جاهزة وأدوات مالية قادرة على جذب الاستثمار. ويناقش المسار الذي تقوده جنوب إفريقيا وفرنسا توسيع حجم التمويل، وخفض المخاطر التي تعيق المستثمرين، وربط الخطط الوطنية بإدارة الموارد المائية.
كما عرض البنك الدولي مبادرة “Water Forward”، التي تجمع عددًا من بنوك التنمية متعددة الأطراف بهدف دعم إعداد المشروعات وتطوير أدوات مالية، من بينها السندات، للإسهام في تقليص فجوة الاستثمار وبناء أنظمة أكثر استدامة للأمن المائي.
المياه من أجل التعاون
تقود فنلندا وزامبيا هذا المسار، الذي يركز على إدارة الأنهار والأحواض المائية المشتركة، وتعزيز التعاون العلمي، وتحسين الحوكمة والتنسيق بين الدول والمؤسسات.
ويعمل المسار على مبادرات تهدف إلى تمكين منظمات أحواض الأنهار ودعم قدرتها على إدارة الموارد العابرة للحدود. وتزداد أهمية هذا الملف في المناطق التي تعتمد فيها عدة دول على المصدر المائي نفسه، حيث يمكن للتعاون أن يقلل التوترات ويدعم الاستقرار.
المياه من أجل الازدهار
تتولى الصين وإسبانيا قيادة هذا المسار في مؤتمر المياه، الذي ينظر إلى المياه باعتبارها أساسًا للنمو الاقتصادي والاجتماعي. وتشمل القضايا المطروحة تقييم المياه داخل القرارات الاقتصادية، وتحسين كفاءة الاستخدام، وإدارة مياه الصرف، والإدارة الذكية للموارد.
كما يركز المسار على العلاقة بين المياه والطاقة والغذاء، وربط التخطيط المائي بالاستثمار والتنمية. ومن المتوقع أن تسهم مبادرة «المياه من أجل الازدهار» في تقديم أدوات تساعد صناع القرار على إدماج قيمة المياه داخل السياسات الاقتصادية.
المياه في العمليات الدولية
يقود هذا المسار كل من ألمانيا والمكسيك، ويهدف إلى تثبيت حضور المياه بصورة أكثر انتظامًا داخل النظام الدولي. وتشمل المقترحات عقد مؤتمرات أممية للمياه كل ثلاثة أو أربعة أعوام، وتحسين مشاركة أصحاب المصلحة، وربط مؤتمرات المياه باتفاقيات المناخ والتنوع البيولوجي والتصحر.
كما يدعو المسار إلى تطوير ترتيبات أكثر اتساقًا للتمويل والمتابعة، وإشراك الشباب من خلال التعليم المائي وبناء القدرات، بما يضمن استمرار الاهتمام بالقضية بعد انتهاء الفعاليات الرسمية.
هل ينتقل مؤتمر المياه من التعهدات إلى التنفيذ؟
تسعى التحضيرات الحالية إلى وضع مؤتمر المياه ضمن مسار متصل يبدأ من نتائج مؤتمر 2023، ويمر بقمة أهداف التنمية المستدامة في 2027، ويصل إلى مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في 2028. وهذا يعني أن المبادرات المنتظر إعلانها في أبوظبي ستُقاس بقدرتها على الاستمرار والتوسع بعد انتهاء الحدث.
ويظل التحدي الأساسي هو تحويل المسارات الستة إلى برنامج عمل مترابط، له تمويل واضح، وجداول زمنية، وآليات للمتابعة. فالمياه قضية تمس حياة الأفراد والاقتصادات واستقرار الدول، وأي تقدم حقيقي يحتاج إلى شراكات تتجاوز حدود المؤسسات والدول.
ومن هذا المنطلق، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن أهمية مؤتمر المياه تكمن في قدرته على نقل ملف المياه من دائرة الوعود إلى دائرة التنفيذ، وربط الحق في المياه بالتمويل والمناخ والتعاون الدولي. فالقيمة الحقيقية للمؤتمر ستظهر في المشروعات التي تبدأ بعد مغادرة الوفود قاعات الاجتماعات، لا في عدد الكلمات التي تُقال داخلها.




