علوم مستدامة

دراسة تكشف مسارًا لانتشار مقاومة المضادات عبر الصرف الصحي في جنوب إفريقيا

الصرف الصحي

دراسة تكشف مسارًا لانتشار مقاومة المضادات عبر الصرف الصحي في جنوب إفريقيا

تُعد مقاومة المضادات الحيوية واحدة من أخطر التحديات الصحية المتصاعدة عالميًّا، إذ ترتبط بنحو 1.27 مليون وفاة سنويًّا، وتتحمل إفريقيا جانبًا كبيرًا من أعبائها. ورغم أن جهود المواجهة ركزت طويلًا على المستشفيات وسوء استخدام الأدوية، تكشف دراسة حديثة أن أنظمة الصرف الصحي قد تمثل مسارًا بيئيًّا خفيًّا لانتقال جينات المقاومة.

وأظهرت الدراسة التي أُجريت في إطار مشروع الميكروبيوم الإفريقي (African Microbiome Project)، أن معالجة المياه قد تقلل أعداد البكتيريا الحية، لكنها لا تضمن دائمًا التخلص من المادة الوراثية التي تحمل جينات مقاومة المضادات. وقد تظل هذه الجينات في المياه المعالجة، ثم تنتقل إلى بكتيريا أخرى موجودة في الأنهار أو البيئات المحيطة.

وتسلط النتائج الضوء على فجوة في تقييم كفاءة محطات الصرف الصحي، إذ تركز المعايير التقليدية على إزالة البكتيريا والملوثات المعروفة، من دون قياس الحمض النووي الحر الذي قد يحافظ على القدرة الجينية للمقاومة.

مقاومة المضادات تتجاوز المستشفيات

تحدث مقاومة المضادات الحيوية عندما تتمكن الكائنات الدقيقة المسببة للأمراض من تحمل الأدوية التي صممت للقضاء عليها. ومع مرور الوقت، تصبح بعض العدوى أكثر صعوبة في العلاج، وقد تفقد المضادات المستخدمة لتكون حلًّا أخيرًا فعاليتها.

وتبرز المشكلة بصورة خاصة داخل المؤسسات الصحية، حيث يؤدي الاستخدام المكثف للمضادات الحيوية إلى زيادة احتمالات ظهور بكتيريا مقاومة للعلاج وانتشارها. لكن البكتيريا وجينات المقاومة لا تبقى داخل المستشفيات؛ إذ يمكن أن تصل إلى شبكات المياه مع المخلفات الخارجة من المنازل والمنشآت الطبية والصناعية.

مقاومة المضادات

وتجمع محطات الصرف الصحي هذه التدفقات في مكان واحد، ثم تعالجها قبل تصريف المياه إلى الأنهار أو إعادة استخدامها. وقد أسهمت هذه المحطات في الحد من الأمراض المعدية، إلا أن الدراسة تشير إلى أن القضاء على البكتيريا لا يعني بالضرورة القضاء على جيناتها.

البكتيريا تموت والجينات تستمر

عندما تقتل عمليات المعالجة البكتيريا، تتحلل خلاياها وتطلق مادتها الوراثية في المياه. ويعرف هذا الحمض النووي الموجود خارج الخلايا باسم “الحمض النووي الحر“، ويمكن أن يحمل جينات تمنح القدرة على مقاومة المضادات الحيوية.

وقد تبقى هذه المادة في المياه الخارجة من محطات الصرف الصحي، لتلتقطها كائنات دقيقة أخرى وتدمجها داخل مادتها الوراثية. وبهذه الطريقة، قد تنتقل المقاومة من دون بقاء البكتيريا الأصلية التي حملت الجينات في البداية.

وتكشف هذه العملية عن مسار مختلف لانتشار مقاومة المضادات؛ فبدل انتقال البكتيريا المقاومة نفسها، تنتقل المعلومات الوراثية التي تساعد بكتيريا أخرى على تحمل العلاج.

ومن هنا ترى الدراسة أن تقليل أعداد البكتيريا الحية في المياه يظل ضروريًّا، لكنه لا يقدم صورة كاملة عن المخاطر إذا ظلت الجينات المسئولة عن مقاومة المضادات موجودة بعد المعالجة.

ماذا كشفت الدراسة في جنوب إفريقيا؟

في دراسة بعنوان “Persistence of high-risk antimicrobial resistance genes in extracellular DNA along an urban wastewater-river continuum“، نُشرت في مجلة Cell Reports خلال مارس 2026، حلل فريق بحثي بقيادة جون بول ماكومبي، وبمشاركة ثولاني ماخالانياني وثلاثة باحثين آخرين، مياهًا مأخوذة من تسع محطات لمعالجة الصرف الصحي والأنهار المتصلة بها في مدينة تشواني بجنوب إفريقيا.

وكشفت النتائج عن استمرار وجود حمض نووي حر يحمل جينات لمقاومة المضادات داخل المياه التي تُصرَّف إلى البيئة بعد المعالجة التقليدية.

وكانت بعض الجينات المكتشفة مرتبطة بمقاومة مضادات تستخدم بوصفها خيارات أخيرة لعلاج العدوى الخطرة لدى البشر والحيوانات، ما يزيد أهمية مراقبة مسارها البيئي.

ولا تعني هذه النتائج أن المياه المعالجة تسبب الأمراض مباشرة، كما لم تثبت الدراسة إصابة أشخاص بسبب المياه الخارجة من أنظمة الصرف الصحي. لكنها تكشف عن خزان بيئي محتمل قد يسمح لجينات المقاومة بالبقاء والعودة إلى المجتمعات.

وقد يحدث التعرض بصورة غير مباشرة عبر مياه الشرب أو ري المحاصيل أو الأنشطة الترفيهية في الأنهار. وتزداد أهمية هذا الاحتمال في المناطق التي تعتمد على إعادة استخدام المياه أو تفتقر إلى مصادر بديلة آمنة.

شح المياه يضاعف التحديات

تواجه الدول النامية ضغوطًا أكبر بسبب محدودية خدمات المياه الآمنة واستمرار تصريف المياه المعالجة في الأنهار أو استخدامها في الزراعة. كما قد تعتمد بعض المجتمعات على مصادر تستقبل تدفقات خارجة من محطات المعالجة.

وفي جنوب إفريقيا، يتزامن شح المياه مع تحديات البنية التحتية، ما يزيد فرص التفاعل المباشر مع مصادر قد تحتوي على جينات مقاومة. ولذلك ترتبط أزمة المضادات بالأمن المائي وجودة إدارة الصرف الصحي، وليس بالنظام الصحي وحده.

شح المياه

ويبرز هنا الارتباط بالهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالمياه النظيفة والنظافة الصحية، وتحديدًا الغاية 6.3 المتعلقة بتحسين جودة المياه وتقليل التلوث وزيادة المعالجة وإعادة الاستخدام الآمن.

ويسهم تحسين المعالجة في حماية الأنهار وتقليل فرص انتقال جينات المقاومة بين البيئة والزراعة والمجتمعات. ومن ثم يصبح تطوير أنظمة معالجة المياه والصرف الصحي جزءًا أساسيًا من بناء أنظمة أكثر استدامة وقدرة على حماية الصحة العامة.

تقنيات جديدة تستهدف الحمض النووي

تشير الدراسة إلى أن برامج مراقبة جودة المياه نادرًا ما تبحث عن المادة الوراثية، لأن اكتشافها يحتاج إلى أدوات جزيئية ومختبرات متخصصة. إلا أن هذه التقنيات أصبحت متاحة في عدد متزايد من المختبرات، ويمكن دمجها تدريجيًّا في برامج المراقبة.

كما قد تحتاج محطات الصرف الصحي إلى إضافة مراحل متقدمة تستهدف الحمض النووي، مثل المعالجة بالأشعة فوق البنفسجية وغاز الأوزون والأغشية فائقة الترشيح والإنزيمات القادرة على تفكيك المادة الوراثية.

الحمض النووي

وتستخدم هذه التقنيات بالفعل في أجزاء من أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، لكنها لم تنتشر على نطاق واسع في الدول النامية. وفي جنوب إفريقيا، تظهر خطوات أولية، من بينها إدخال المعالجة بالأشعة فوق البنفسجية ضمن أعمال تطوير بعض المحطات في كيب تاون.

وتُظهر هذه الجهود كيف يمكن أن يسهم تحديث محطات الصرف الصحي في تحقيق الغاية 9.1 من الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، من خلال تطوير بنية تحتية موثوقة ومستدامة.

كما تكتسب هذه الاستثمارات بُعدًا صحيًّا يتصل بالهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالصحة الجيدة والرفاه، إذ يمكن أن يساعد تحسين معالجة المياه في الحد من انتشار جينات مقاومة المضادات الحيوية، وتقليل المخاطر التي قد تشكلها على الصحة العامة.

مقاومة المضادات قضية صحية وبيئية

تكشف الدراسة أن مواجهة مقاومة المضادات تحتاج إلى تعاون يتجاوز القطاع الطبي، ليشمل المهندسين وعلماء الأحياء الدقيقة وخبراء المياه والصحة العامة وصناع السياسات.

كما يحتاج المجتمع إلى وعي أكبر بعلاقة الأدوية بالمياه، بما يشمل التخلص المسئول من المضادات وعدم إلقائها في شبكات الصرف، إلى جانب اتباع إجراءات وقائية عند الشك في سلامة مصادر المياه.

وفي هذا السياق، تنبه مؤسسة حماة الأرض إلى أن نتائج الدراسة تعيد تعريف دور أنظمة الصرف الصحي في حماية الصحة العامة؛ فنجاح المعالجة يقاس بعدد البكتيريا التي جرى التخلص منها، وأيضًا بقدرتها على الحد من المادة الوراثية المقاومة.

ويكشف ذلك أن تحديث المراقبة والتقنيات والبنية التحتية أصبح ضروريًّا لمنع انتقال مقاومة المضادات بين المياه والبيئة والمجتمعات، خاصة مع تزايد شح المياه والاعتماد على إعادة استخدامها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى