مكافحة الفقر في زمن الأزمات المركبة.. لماذا لم تعد الحلول التقليدية كافية؟

مكافحة الفقر في زمن الأزمات المركبة.. لماذا لم تعد الحلول التقليدية كافية؟
كانت عائشة مزارعة ناجحة تعيش في ولاية بورنو شمال شرقي نيجيريا، قبل أن تنقلب حياتها خلال سنوات قليلة تحت وطأة أزمات متلاحقة. ففي عام 2013، قُتل زوجها وثلاثة من أطفالها، وأصيبت هي نفسها واضطرت مع بقية أسرتها إلى النزوح نحو تجمع للنازحين داخليًّا. وبعد أن بدأت تجارة صغيرة لبيع الفحم، جاءت أزمة نقص السيولة المرتبطة بسياسة تقليل التعامل النقدي لتدفعها نحو البيع بالآجل، ثم تزامن ذلك مع ضعف الأمطار وتراجع قدرة أبنائها على دعمها.
قصة عائشة مثال على ما تسميه الباحثة فيديا ديواكار “الأزمة المركبة” أو (Polycrisis)، حيث تتداخل الصراعات والصدمات الاقتصادية والكوارث المرتبطة بالمناخ، فتجعل مكافحة الفقر أكثر تعقيدًا من التعامل مع أزمة واحدة في كل مرة.
حين تتراكم الأزمات
تعتمد ديواكار، الباحثة في معهد دراسات التنمية ونائبة مدير شبكة استشارات الفقر المزمن، في كتابها Poverty in Polycrisis على أدلة من 15 دولة مرتفعة الفقر في إفريقيا وآسيا لفهم الكيفية التي تدفع بها الأزمات المتداخلة بعض الأسر إلى حرمان أعمق، بينما يتمكن آخرون من الخروج من الفقر رغم الظروف الصعبة.
وتكمن المشكلة في أن أثر الأزمات لا يتوقف عند جمع خسائر كل أزمة على حدة. فالجفاف مثلًا قد يدفع مزارعًا صغيرًا إلى بيع جزء من ماشيته، لكنه ربما يعيد بناء نشاطه عندما تتحسن الأمطار. أما إذا أعقب الجفاف تضخم مرتفع، أو اضطراب اقتصادي، أو موجات جفاف متكررة، فقد تتحول الخسارة المؤقتة إلى ديون وانعدام أمن غذائي وتآكل مستمر في الدخل والأصول، وهنا ترتبط مكافحة الفقر بقدرة الأسرة على تجاوز الأزمات دون أن تتحول الصعوبات المؤقتة إلى فقر طويل الأمد.

حين تتضاعف آثار الأزمات
تظهر خطورة الأزمات المتداخلة بوضوح في دول إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تتزامن مستويات الفقر المرتفعة مع ضعف المؤسسات ومحدودية الموارد العامة، ما يجعل الأسر الفقيرة أكثر عرضة للانزلاق إلى مستويات أعمق من الحرمان، ويدفع أسرًا أخرى إلى دخول دائرة الفقر للمرة الأولى والبقاء فيها لفترات أطول.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تأتي بعض الاستجابات الحكومية من دون حماية اجتماعية كافية. وتشير فيديا ديواكار إلى أن إزالة دعم الوقود في نيجيريا، على سبيل المثال، صاحبتها مساعدات محدودة، ما ضاعف الضغوط على الأسر الضعيفة.
كما أن التعامل مع كل أزمة بصورة منفصلة قد يخلق أضرارًا جديدة؛ فإجلاء السكان إلى مراكز إيواء في أثناء الفيضانات قد يحميهم من المياه، لكنه قد يزيد احتمالات انتقال الأمراض إذا لم تكن تلك المراكز مجهزة جيدًا.
ويتقاطع ذلك مع الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة، وتحديدًا الغاية 1.5 التي تدعو إلى تعزيز قدرة الفقراء والفئات الهشة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ومن هذا المنظور، تعني مكافحة الفقر بناء أنظمة حماية تمنع كل أزمة جديدة من محو ما حققته الأسر من تقدم، خاصة مع تراجع المساعدات الدولية واعتماد بعض الدول عليها في تمويل الخدمات وبرامج الدعم.
المناخ يضاعف الهشاشة
تلعب الصدمات المناخية دورًا رئيسيًّا في هذه الدائرة، خاصة عندما تتكرر موجات الجفاف أو الفيضانات قبل أن تتمكن الأسر من التعافي.
ولهذا تضع الباحثة أنظمة الإنذار المبكر والاستعداد للكوارث، خاصة في المناطق الريفية والنائية، ضمن الأدوات الأساسية في مكافحة الفقر. فالتحذير المبكر أو الحماية الاجتماعية السريعة قد يمنع الأسرة من بيع ماشيتها أو أصولها الإنتاجية، ويحافظ على قدرتها على استعادة دخلها بعد انتهاء الأزمة.
ويتقاطع ذلك مع الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالعمل المناخي، وتحديدًا الغاية 13.1 التي تدعو إلى تعزيز القدرة على الصمود والتكيف مع المخاطر المرتبطة بالمناخ والكوارث الطبيعية.

مسارات للخروج من الفقر
رغم الصورة القاتمة، تكشف الدراسة أن مكافحة الفقر تظل ممكنة حتى في البيئات التي تتعدد فيها الأزمات، لكن النجاح غالبًا لا يعتمد على حل واحد أو تدخل منفرد. فالأسر التي تمكنت من تحسين أوضاعها اعتمدت على قدر أكبر من التكيف، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل اعتمادها على نشاط واحد يمكن أن ينهار عند أول صدمة.
ومن أبرز المسارات التي رصدتها الدراسة:
- الاعتماد على ممارسات زراعية أكثر استدامة تساعد الأسر على التكيف مع الجفاف وتقلبات المناخ والحفاظ على الإنتاج قدر الإمكان.
- تنويع مصادر الدخل من خلال الجمع بين الزراعة وأنشطة أخرى خارج القطاع الزراعي، بما يقلل أثر فقدان مصدر واحد للدخل.
- التكيف المستمر مع الظروف المتغيرة عبر تعديل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية مع ظهور أزمات جديدة.
- الاستفادة من الحماية الاجتماعية والتحويلات النقدية لتجنب بيع الأصول أو الدخول في ديون يصعب الخروج منها أثناء فترات الأزمات.
- الوصول إلى فرص العمل والتمويل والخدمات بما يمنح الأسر قدرة أكبر على إعادة بناء مصادر رزقها بعد الصدمات.
وتصف الباحثة أحد أهم هذه المسارات بمفهوم النمو القائم على تمكين الأسر، أي أن جزءًا كبيرًا من مكافحة الفقر يبدأ من استراتيجيات تتبناها الأسر نفسها لبناء دخل أكثر استقرارًا، بدل الاعتماد فقط على سياسات اقتصادية تفترض أن ثمار النمو ستصل تدريجيًا من الحكومات للأسر.
لكن قدرة الأسر على التحرك بهذه الطريقة تظل مرتبطة بوجود بيئة داعمة؛ فتنويع الدخل أو تطوير نشاط جديد يصبح أكثر صعوبة من دون تمويل، أو بنية تحتية، أو حماية اجتماعية، أو خدمات أساسية تساعد الأسرة على تجاوز الصدمة الأولى بدل أن تستهلك كل مواردها في محاولة البقاء.
استجابة لأزمات مترابطة
تدعو الدراسة الحكومات والجهات المانحة إلى التخلي عن التعامل المنفصل مع الأزمات، وبناء سياسات تنظر إلى الصراع والمناخ والاقتصاد والفقر باعتبارها ملفات مترابطة.

ويشمل ذلك توسيع نظم الحماية الاجتماعية، وتحسين الاستعداد للكوارث، ودعم جهود بناء السلام لمعالجة جذور الصراع، إلى جانب الحفاظ على تدفقات مساعدات أكثر استقرارًا للدول الأشد فقرًا. كما يمكن لإعادة هيكلة الديون أن تخفف الضغوط المالية وتمنح الحكومات مساحة أكبر للاستثمار في البرامج الموجهة للفقراء.
وللمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني دور مكمل، من خلال تقوية قدرة المجتمعات على الصمود، ودعم سبل العيش، ونقل أصوات الفئات المهمشة إلى دوائر صنع القرار.
وتشير مؤسسة حماة الأرض إلى أن مكافحة الفقر في عالم تتشابك فيه الأزمات تحتاج إلى سياسات متكاملة لمواجهتها؛ فالحماية من الجفاف قد تفشل إذا غاب الدخل، والمساعدات الاقتصادية قد تفقد أثرها إذا استمر الصراع، وبرامج التنمية قد تنهار إذا لم تستطع الأسر الصمود أمام الصدمة التالية، فالسؤال هو كيف نمنع كل أزمة جديدة بدلًا من إعادتهم إليها.




