أخبار الاستدامة

موجة الحر القاسية تضرب موسم الزراعة في النمسا.. خسائر تهدد المحاصيل والمراعي

موجة الحر

موجة الحر القاسية تضرب موسم الزراعة في النمسا.. خسائر تهدد المحاصيل والمراعي

تزايدت تداعيات موجة الحر في أوروبا مشتملة على ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الضغط على المدن، كما بدأت تمتد بوضوح إلى قطاع الزراعة، حتى في دول تتمتع بوفرة نسبية في المياه مثل النمسا. فأسابيع من الجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة أضعفت نمو المحاصيل، وقلصت المياه والعشب في المراعي الجبلية، ودفعت بعض المزارعين إلى إعادة ماشيتهم مبكرًا من جبال الألب.

وفي بعض المناطق، تجاوزت الأزمة نقص المراعي إلى ارتفاع تكاليف الأعلاف، ما دفع مزارعين إلى إرسال جزء من ماشيتهم إلى المسالخ قبل الموعد المعتاد. وفي الوقت نفسه، تتوقع الجهات المعنية بالإنتاج الغذائي تراجع محصول الحبوب في النمسا بنسبة 19% خلال العام الجاري، في مؤشر على اتساع تأثير موجة الحر في أوروبا من الثروة الحيوانية إلى المحاصيل الأساسية.

المراعي تحت الضغط

على ارتفاع يقارب 1300 متر فوق سطح البحر، اعتاد مزارعو الألب في شمال النمسا إرسال ماشيتهم إلى المراعي الجبلية خلال أشهر الصيف، مستفيدين من العشب والمياه الطبيعية المتاحة هناك.

لكن الوضع تغير هذا العام. حيث صرح يوهان فيسل، وهو مزارع ألبان يرأس جمعية لمربي الماشية المعتمدة على المراعي في ولاية النمسا العليا، بأن المنطقة مرت بأسابيع من دون هطول أمطار، بالتزامن مع استمرار درجات حرارة مرتفعة لفترة غير معتادة.

مزارع ألبان

وأدى هذا المزيج من الحرارة ونقص الأمطار إلى تراجع المياه والعشب المتاحين للماشية، ما يجبر بعض المزارعين على إعادة الأبقار إلى الحظائر في وقت أبكر من المعتاد.

المشكلة أن عودة الحيوانات إلى المزارع تعني بدء استهلاك مخزون الأعلاف مبكرًا، بما في ذلك التبن الذي جرى الاحتفاظ به من العام الماضي لموسم الشتاء.

رعاية الحيوانات

نحو المسالخ

كل يوم إضافي تقضيه الحيوانات داخل الحظائر يزيد احتياجات المزارع من الأعلاف، وإذا لم تكفِ المخزونات الحالية يصبح شراء كميات إضافية ضروريًّا، ما يرفع تكاليف الإنتاج.

ومع استمرار ضغوط موجة الحر في أوروبا، أصبح بعض المزارعين أمام خيار اقتصادي صعب: الاحتفاظ بالماشية وتحمل تكلفة أعلاف إضافية، أو تقليل أعدادها وإرسال جزء منها إلى الذبح مبكرًا.

ويشير فيسل إلى أن بعض المراعي لم تعد تحتوي على ماشية بالفعل، بينما يختلف حجم المشكلة من منطقة جبلية إلى أخرى بحسب توافر المياه والعشب.

ووصل الأمر إلى حديث بعض المزارعين عن حالات ذبح اضطراري، في وقت أصبحت فيه قوائم الانتظار لدى المسالخ طويلة، ما يعكس أن الضغوط تمتد إلى عدد أكبر من المنتجين في عدد أكبر من المزارع.

الحبوب تتراجع

لم تكن الثروة الحيوانية وحدها المتضررة، فقد أعلنت هيئة AgrarMarkt Austria، المعنية بالإشراف على الإنتاج الغذائي في البلاد، أنها تتوقع انخفاض محصول الحبوب في النمسا بنسبة 19% خلال العام الجاري.

وتكشف هذه النسبة حجم تأثير الحرارة والجفاف على الإنتاج الزراعي، وتوضح كيف يمكن لأسابيع قليلة من الطقس القاسي أن تغير توقعات موسم كامل.

ويتقاطع ذلك مباشرة مع الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالقضاء على الجوع، وتحديدًا الغاية 2.4 التي تدعو إلى ضمان نظم إنتاج غذائي مستدامة وتطبيق ممارسات زراعية قادرة على الصمود أمام تغير المناخ والجفاف والظواهر الجوية المتطرفة.

فما تظهره موجة الحر في النمسا يتعلق بكمية الحبوب المنتجة، إلى جانب مدى قدرة القطاع الزراعي على الحفاظ على استقرار الإنتاج عندما تصبح موجات الحرارة والجفاف أكثر ضغطًا على المزارع والموارد الطبيعية.

الزراعة

الذرة تدفع الثمن

تظهر الأزمة بصورة أوضح في المحاصيل التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، وفي مقدمتها الذرة، فقد اضطر أحد المزارعين إلى قطع معظم محصوله مبكرًا بعدما أصبح العائد المتوقع ضعيفًا للغاية، بينما تحولت السيقان التي بقيت في الحقول إلى لون أصفر جاف بدلًا من اللون الأخضر المعتاد.

وتوضح هذه المشاهد كيف يترجم نقص المياه إلى خسارة مباشرة في الإنتاج، خاصة في المحاصيل التي يصعب عليها تحمل فترات طويلة من الإجهاد الحراري.

ومع انخفاض الإنتاج، لا يتحمل المزارع وحده التكلفة، إذ يمكن أن تمتد التداعيات إلى الأعلاف وسلاسل الغذاء والأسعار إذا استمرت الظروف نفسها أو تكررت في مواسم لاحقة.

الطماطم تفقد قيمتها

وفي البيوت الزراعية بمنطقة ليوندينج قرب مدينة لينتس، ظهرت صورة مختلفة من الخسائر.

يزرع زوجان هناك نحو 30 نوعًا من الطماطم، إلا أن درجات الحرارة المرتفعة أوقفت نمو جزء من المحصول وأدت إلى ظهور بقع جافة رمادية وبنية على بعض الثمار.

ووفق المزارعين، أصيبت كميات من الطماطم بما يعرف بعفن الطرف الزهري خلال الأسابيع شديدة الحرارة. ورغم أن الثمار تظل صالحة للأكل بعد إزالة الأجزاء المتضررة، فإنها لم تعد مناسبة للبيع بالشكل التجاري المعتاد.

وهنا تتحول خسائر موجة الحر في أوروبا من تراجع كمية المحصول فقط إلى تراجع جودته وقيمته التسويقية، وهو ما يضيف عبئًا جديدًا على دخل المزارعين.

الطماطم تفقد قيمتها

ليست كل المحاصيل خاسرة

ورغم اتساع الأضرار، لم تتأثر جميع المحاصيل بالطريقة نفسها. ففي المزرعة ذاتها، حقق محصول الجزر أداءً جيدًا بصورة استثنائية هذا العام، واستفاد من درجات الحرارة المرتفعة.

وتوضح هذه المفارقة أن تأثير الطقس القاسي ليس موحدًا، إذ تختلف استجابة المحاصيل بحسب احتياجاتها من المياه وطبيعة نموها وقدرتها على تحمل الحرارة.

لكن هذا التفاوت لا يقلل من حجم التحدي الأوسع الذي تواجهه الزراعة، خصوصًا عندما تتزامن خسائر الحبوب والذرة والطماطم مع ضغوط متزايدة على تربية الماشية.

ويرتبط ذلك بالهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة، وخاصة الغاية 13.1 التي تدعو إلى تعزيز القدرة على الصمود والتكيف مع المخاطر المرتبطة بالمناخ والكوارث الطبيعية.

وتشير مؤسسة حماة الأرض إلى أن ما تكشفه موجة الحر في أوروبا داخل النمسا يعكس حاجة القطاع الزراعي إلى التكيف مع ظروف مناخية أكثر تقلبًا، من خلال إدارة المياه والمراعي بصورة أكثر كفاءة، وتحسين قدرة المحاصيل والثروة الحيوانية على تحمل فترات الحرارة والجفاف.

فالمشكلة ترتبط بقدرة منظومة الغذاء نفسها على الاستمرار عندما تصل الصدمات المناخية في الوقت نفسه إلى الحقول والمراعي وتكاليف الإنتاج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى