المسح التدميري للكتب يثير الجدل.. هل يدفع التراث ثمن تدريب الذكاء الاصطناعي
يرى بائعو الكتب النادرة أن قيمة الكتاب قد تتجاوز الكلمات المطبوعة على صفحاته؛ فالنسخة القديمة قد تحمل إهداءً شخصيًّا أو ملاحظات بخط اليد أو رسومًا أصلية أو قصة انتقالها بين أصحاب مختلفين. لكن هذه القيمة المادية والثقافية تواجه تساؤلات جديدة، مع تزايد الطلب على النصوص المستخدمة في تدريب الذكاء الاصطناعي.
وبدأت المخاوف بعد تلقي عدد من بائعي الكتب المستعملة في أستراليا طلبات شراء كبيرة وغير معتادة، شملت عناوين قديمة ومتخصصة لا يجمعها موضوع واضح. وشكك بعضهم في احتمال دخول هذه الكتب إلى سلسلة توريد تنتهي برقمنتها واستخدام محتواها في تطوير النماذج اللغوية، ثم التخلص من النسخ الورقية.
ورغم أن التحقيق لم يثبت تعرض الكتب الأسترالية المبيعة للتدمير، فقد أعادت الطلبات الغامضة فتح النقاش حول الطرق التي تجمع بها شركات التكنولوجيا النصوص، ومدى قدرتها على التمييز بين كتاب تجاري واسع الانتشار ونسخة نادرة تمثل جزءًا من الذاكرة الثقافية.
تلقى عدد من البائعين طلبات من شركة كندية تحمل اسم “Zoom Books” وتصف نفسها بأنها شركة لإعادة تدوير الكتب. وجاءت الطلبات عبر منصات كبيرة لبيع الكتب المستعملة، حيث تختلط الكتب الرخيصة بالعناوين القديمة والنادرة.
وتحدثت صاحبة إحدى المكتبات عن طلب ضم ما بين 30 و40 كتابًا، ما استلزم الSearch Forها وتجهيزها وشحنها في ثلاثة صناديق كاملة. كما تلقى متجر آخر في ملبورن مجموعة طلبات بدت غير مهتمة بالسعر، وشملت كتبًا متخصصة وقديمة ظلت بعض نسخها معروضة للبيع لعقود.
وجمع أحد الطلبات بين دليل عن ميكانيكا التربة من سبعينيات القرن الماضي، وكتاب عن أبطال ركوب الدراجات في نيوزيلندا، ومجموعة من الشعر الأسترالي المبكر، وكتاب عن التاريخ المحلي لإحدى ضواحي ملبورن.
ورغم أن هذا التنوع لا يقدم دليلًا مباشرًا على ارتباط الطلبات بعمليات تدريب الذكاء الاصطناعي، فإنه دفع البائعين إلى التساؤل عن سبب شراء عناوين كثيرة لا يبدو أنها موجهة إلى قارئ أو جامع كتب تقليدي.
ما هو المسح التدميري للكتب؟
تزايد قلق البائعين بعد الكشف عن وثائق قضائية في دعوى أقامها مؤلفون ضد شركة Anthropic الأمريكية، وأظهرت أن الشركة استخدمت ما يعرف باسم “المسح التدميري”.
وتبدأ العملية بشراء الكتب الورقية، ثم قطع كعوبها أو إزالة تجليدها حتى تنفصل الصفحات. وبعد ذلك تُمسح الصفحات ضوئيًّا بسرعة، ويُحوَّل محتواها إلى نصوص رقمية قابلة للبحث والمعالجة، بينما تُتلف بقايا النسخ أو تتحول إلى عجينة ورقية.
وتوفر هذه الطريقة وقتًا كبيرًا عند رقمنة أعداد ضخمة من الكتب، مقارنة بتصوير كل صفحة مع الحفاظ على التجليد. كما تمنح الشركات نصوصًا متنوعة يمكن استخدامها في تدريب الذكاء الاصطناعي، خاصة في الموضوعات المتخصصة أو المحلية التي قد لا تتوفر بكميات كافية على شبكة الإنترنت.
وقضى قاضٍ أمريكي بأن رقمنة الكتب التي اشترتها Anthropic بصورة قانونية لاستخدامها الداخلي التحويلي كانت مشروعة وفق ظروف القضية. ولم يحسم الحكم المتعلق بحقوق النشر السؤال الثقافي والأخلاقي حول مصير النسخة الورقية، خاصة عندما تكون نادرة أو يصعب تعويضها.
الكتب النادرة تحمل قصة تتجاوز النص
يفرق بائعو الكتب بين كتاب تجاري توجد منه مئات الآلاف من النسخ وكتاب لا يوجد منه سوى عدد محدود. ففي الحالة الأولى، قد يثير تفكيك الكتاب قضايا تتعلق بحقوق المؤلف، لكن فقدان نسخة واحدة لن يؤدي عادة إلى اختفاء العمل نفسه.
أما النسخ النادرة، فقد تحمل قيمة لا تنتقل إلى الملف الرقمي. ويمكن أن تكشف جودة الورق والتجليد والرسوم والهوامش والإهداءات عن فترة تاريخية أو مجتمع محلي أو علاقة شخصية بين القارئ والكتاب.
ويقول أحد البائعين إن تدمير كتاب توجد منه نسخ كثيرة قد يكون مقبولًا من منظور تجاري، بينما يصبح الأمر مروعًا عندما يتعلق بنسخة فريدة تحمل قصة خاصة.
وتظهر هذه المخاوف أن تحويل الكتاب إلى بيانات من أجل تدريب الذكاء الاصطناعي يحفظ المحتوى المكتوب، مع أنه قد يفقد خصائص النسخة المادية وتاريخها. فالملف الرقمي يستطيع نقل الكلمات والصور، لكنه لا يحتفظ دائمًا بقصة الكتاب بوصفه أثرًا ثقافيًّا.
بين البيع المشروع وغموض الاستخدام النهائي
أوضحت Anthropic أنها لم تشترِ كتبًا من Zoom Books، وأن الحصول على الكتب من الأسواق التجارية نهج مستخدم على نطاق واسع في قطاع النماذج اللغوية. كما قالت إن برامجها لا تشتري الكتب النادرة أو الأثرية بهدف تدميرها.
من جانبها، نفت Zoom Books إجراء المسح التدميري أو رقمنة الكتب، وقالت إنها تشتري الكتب المستعملة ثم تعيد بيعها سليمة، بينما تعيد تدوير النسخ التي يتعذر إيجاد مشترين لها.
ولم تكشف الشركة عن هوية عملائها، مشيرة إلى أن اتفاقياتها التجارية تفرض السرية. ولذلك لا يوجد دليل يربط الطلبات التي تلقاها البائعون الأستراليون بشركة معينة تعمل في تدريب الذكاء الاصطناعي، كما لا يمكن تأكيد تعرض هذه الكتب للتفكيك أو التدمير.
وتكشف هذه الحالة عن غموض سلسلة التوريد؛ فبائع الكتاب قد يتعامل مع منصة إلكترونية أو وسيط أو شركة إعادة بيع، من دون معرفة المشتري النهائي أو الغرض الذي ستستخدم فيه النسخة.
كيف نحمي التراث المطبوع؟
تحتاج عملية جمع الكتب والبيانات إلى معايير تميز بين النص المتاح تجاريًّا والنسخة التي تحمل قيمة تاريخية أو اجتماعية خاصة. ويمكن أن يبدأ ذلك بفحص الكتب قبل إدخالها في عمليات المسح، واستبعاد النسخ النادرة والوحيدة، والتعاون مع المكتبات والأرشيفات للتحقق من قيمتها.
كما تستطيع الشركات استخدام وسائل رقمنة تحافظ على التجليد عندما يتعلق الأمر بنسخة مهمة، إلى جانب زيادة الشفافية حول مصادر بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي والغرض من طلبات الشراء الكبيرة.
ويرتبط هذا المسار بـالهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة المعني بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، وتحديدًا الغاية 11.4 التي تدعو إلى تعزيز الجهود الرامية إلى حماية التراث الثقافي. فالكتب والطبعات المحلية والنسخ النادرة جزء من ذاكرة المجتمعات، حتى عندما توجد لدى بائعين أو جامعين من القطاع الخاص.
كما يتصل أيضًا بالهدف الثاني عشر المرتبط بالاستهلاك والإنتاج المسئولين، وخاصة الغاية 12.5 المتعلقة بالحد من النفايات من خلال الوقاية وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير. غير أن إعادة تدوير أوراق الكتاب لا تعوض فقدان نسخة نادرة، ما يجعل الحفظ وإعادة الاستخدام أولوية تسبق قرار الإتلاف.
وفي هذا السياق، تنبه Earth Guards Foundation إلى أن تطوير تقنيات تدريب الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى توازن يحمي الابتكار وحقوق المؤلفين والتراث المطبوع في الوقت نفسه. فالنماذج تحتاج إلى المعرفة الموجودة داخل الكتب، بينما تحتاج المجتمعات أيضًا إلى الاحتفاظ بالنسخ التي توثق تاريخها وهويتها؛ ومن ثَمَّ يصبح وضوح مصادر البيانات وفحص الكتب قبل رقمنتها خطوة أساسية لمنع تحول التطور التكنولوجي إلى خسارة ثقافية يصعب تعويضها.