تحالف Local2030 يدعو إلى توطين أهداف التنمية المستدامة بتمويل وحوكمة محلية
تُقاس خطط التنمية المستدامة بقدرتها على التحول من الوعود والخطابات إلى خدمات ومشروعات يلمس السكان أثرها داخل المدن والأقاليم؛ إذْ تكتسب أهداف الاستدامة العالمية قيمتها الحقيقية عندما تنعكس على جودة السكن، وتوافر المياه، وكفاءة النقل، وإدارة المخلفات، وخلق فرص عمل لائقة؛ وهي ملفات تتعامل معها الحكومات المحلية بصورة يومية.
ويجعل ذلك المدن والأقاليم ساحة تنفيذ رئيسية، حيث تتحول الأولويات العامة إلى قرارات مرتبطة باحتياجات السكان وظروف كل منطقة. ومن هذه الزاوية ركزت فعالية تحالف “Local2030” التي عُقدت في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 15 يوليو 2026 على هامش المنتدى السياسي رفيع المستوى، على ضرورة تعزيز التنسيق بين الحكومات الوطنية والمحلية، وتحسين اتساق السياسات، وتوسيع الحلول المرتبطة باحتياجات كل إقليم والعمل على توطين كل أهداف التنمية المستدامة.
ويعني توطين الأهداف تحويل المبادئ العالمية إلى خطط تناسب الواقع المحلي، لتكون قضايا كالسكن والمياه والنقل وإدارة المخلفات وفرص العمل مرتبطةً بأولويات السكان الفعلية. ويمنح هذا النهجُ التنميةَ المستدامةَ بُعدًا عمليًّا؛ لأنَّ نجاحها يصبح ذا علاقة وثيقة بما يحدث داخل الأحياء، وليس بما يرد في الوثائق الوطنية وحدها.
في هذا اليوم دعت الأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا “تاتيانا مولتشان” إلى الانتقال من استشارة السلطات المحلية إلى حوكمة متعددة المستويات تمنحها دورًا حقيقيًّا في صياغة السياسات؛ لأنَّ إدماج الأولويات المحلية بعد الانتهاء من إعداد الخطط غير كافٍ، خاصة أنَّ التنفيذ يستلزم مشاركة المدن والأقاليم منذ البداية.
وقد عكست مداخلةُ ممثل تنزانيا “كتيلا مكومبو” هذه الفكرةَ بوضوح، حين أوضح أنَّ الحكومات الوطنية قد تكون فعالة في التخطيط، سوى أنَّ التنفيذ يحدث على المستوى المحلي فحسبُ. ومن هنا تصبح التنمية المستدامة مسئولية مشتركة تحتاج إلى توزيع الأدوار والصلاحيات توزيعًا واضحًا، بدلًا من تكليف السلطات المحلية بمهام واسعة من دون موارد أو قدرة على التأثير الإيجابي في القرارات.
أزمة الإسكان تكشف ترابط الأهداف
ثم وضعت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية “أناكلوديا روسباخ” أزمةَ السكن في قلب النقاش، موضحةً أنَّ السكن غير الملائم يؤثر في الوصول إلى المياه والصرف الصحي، والأمن والكرامة، وفرص العمل، مع تداعيات أشد وطأةً على النساء والفتيات خاصةً. كما حذرت “أناكلوديا روسباخ” من أنَّ تنفيذ الأجندة الحضرية الجديدة لا يزال بعيدًا عن المسار المطلوب، وتحديدًا في قطاع الإسكان.
وأيضًا قُدمت إسبانيا مثالًا على التحرك المالي، بعدما أعادت تخصيص 7 مليارات يورو لتسريع بناء المساكن العامة في مواجهة أزمة السكن. وهو مثال يكشف عن أنَّ التنمية المستدامة لا تتحقق عبر معالجة كل قطاع بمعزل عن الآخر؛ فالسكن له علاقة واضحة بالمياه والأمن والمساواة والعمل والقدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، بالتالي فإنه يمكن لسياسة إسكان واحدة أنْ تدفع التقدم نحو عدة أهداف في الوقت نفسه.
التمويل المحلي يواجه فجوتين
كذلك ركزت الفعالية على أنَّ الموارد العامة وحدها لن تكفي، وأنَّ الحكومات تحتاج إلى جذب التمويل الخاص وتطوير أدوات مالية تساعد المشروعات المحلية على الوصول إلى التنفيذ الفعلي، إلَّا أنَّ المشكلة غير محصورة في نقص الأموال؛ لأنَّ مدنًا وبلدات صغيرة تفتقر أيضًا إلى الخبرة الفنية اللازمة لإعداد مشروعات يمكن تمويلها.
وحول ذلك أوضح ممثل وزارة المدن البرازيلية أنَّ الحكومة الوطنية تعمل مع المدن الصغيرة لمساعدتها على هيكلة المشروعات، وهذا حينما عرض بنك التنمية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي نماذجَ لتمويل مشروعات صغيرة من دون ضمانات سيادية، مع تحمل البنك جانبًا أكبر من الأخطار المالية.
وهنا يظهر التمويل المحلي بوصفه شرطًا مباشرًا من شروط تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ ذلك لأنَّ المدن لا تستطيع تحويل الخطط إلى مساكن أو شبكات مياه أو وسائل نقل مستدامة دون موارد وآليات تناسب قدراتها. ثم إنَّ زيادة التمويل من غير دعم فني قد تترك المجتمعات ذات الموارد المحدودة خارج دائرة الاستثمار، حتى عندما تكون احتياجاتها أكثر إلحاحًا.
التكنولوجيا تحول مشكلات المدن إلى بيانات
ومن جهة أخرى عرضت إندونيسيا في فعالية تحالف “Local2030” تجربةَ عاصمتها -جاكرتا- التي استخدمت فيها مبادئ المدن الذكية، حيث يستطيع السكان الإبلاغ عن مشكلات الفيضانات وإدارة المخلفات -على سبيل المثال- عبر تطبيقات رقمية، لتتحول هذه البلاغات إلى بيانات مكانية فورية تساعد السلطات البلدية على تحديد مواقع المشكلات، وترتيب الأولويات، وتحسين سرعة الاستجابة.
إذنْ، يربط هذا النموذج الإندونيسي أهدافَ التنمية المستدامة بخطط العمل ومسارات التمويل العام؛ أي أنَّ البيانات جزء لا غنى عنه من أجزاء ومحاور عملية اتخاذ القرار، وليس أداة للرصد فحسبُ، وأيضًا توضح التجربة أنَّ التنمية المستدامة على المستوى المحلي تحتاج إلى معلومات تعكس ما يحدث داخل الأحياء؛ لأنَّ الخطط العامة قد تفشل في التقاط الفروق بين المناطق عند محاولة الاستجابة السريعة للأزمات.
المراجعات المحلية تنقل صوت المجتمعات
كذلك ناقش المشاركون المراجعات المحلية الطوعية والمراجعات دون الوطنية، باعتبارها أدوات تساعد المدن والأقاليم على قياس التقدم، وتحديد الفجوات، ونقل أولوياتها إلى المستويين الوطني والدولي. كما شددوا على ضرورة الانتقال من المشاركة الشكلية إلى التصميم المشترك للحلول، بحيث يصبح الشباب والمجتمع المدني والجامعات والقطاع الخاص شركاءَ في صنع القرار.
وهنا أبرزت رئيسة جامعة جنوب إفريقيا دورَ الجامعات في بناء قواعد أدلة قوية تدعم السياسات؛ إذْ إنَّ التنمية المستدامة تحتاج إلى بيانات موثوقة تفسر أسباب المشكلات، وتقيس أثر التدخلات، وهذا حينما تمنح المراجعات المحلية المجتمعات فرصة لعرض ما تحقق وما لا يزال معطلًا قبل دمجه بالتقارير الوطنية.
من الحلول المحلية إلى مسارات قابلة للتوسع
فضلًا عمَّا ناقشته الفعاليةُ من كيفية تحويل الحلول المحلية الناجحة إلى نماذج قابلة للتكرار في مدن أخرى، قدَّمتْ بشيء من الاهتمام برنامجَ بلباو المكثف (بالإنجليزية: Bilbao)، الخاص بتمويل التنمية المحلية، والذي تقوده إسبانيا، وهو برنامج يعمل على إعادة التفكير في هيكل التمويل وتطوير آليات استثمار مبتكرة.
ويحتاج هذا التوسع إلى مؤسسات محلية قادرة على التنفيذ، وحكومات وطنية مستعدة لتقاسم القرار، ومؤسسات مالية قادرة على تحمل جزء من الأخطار؛ وبهذا فإنَّ التنمية المستدامة تعني بناء مسارات مرنة تسمح لكل مدينة بتكييف أدواتها مع واقعها.
وفي الختام، خلُصتْ مناقشاتُ تحالف “Local2030” إلى أنَّ الخطط الوطنية لا تصبح فعالة إلا بقدر كفاءة المؤسسات التي تنفذها على الأرض؛ لذلك لنْ يتحقق توطين أهداف التنمية المستدامة -على وفق أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية- بِمَنْحِ الحكوماتِ المحلية مزيدًا من المسئوليات دون أنْ تكتسب في المقابل الصلاحيات والتمويل والمهارات والبيانات اللازمة.
وعلى ذلك تضع مؤسسةُ Earth Guards أبعادَ التنمية المستدامة نصب عينيها؛ لأنَّها الأبعادُ التي تدمج المجتمعات المحلية بجهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة كافةً، فكلما امتلكت السلطات المحلية صلاحيات أوسع وأدوات تمويل وبيانات أكثر دقة، تعاظمت قدرتها على تحويل هذه الأهداف العالمية إلى سكن ملائم وخدمات وفرص وحلول تنعكس بصورة مباشرة على حياة جميع سكان الأرض.