عظماء في تاريخ العلوم.. قمل وهرمونات وموارد مشتركة صنعت اكتشافات علمية مستدامة

عظماء في تاريخ العلوم.. قمل وهرمونات وموارد مشتركة صنعت اكتشافات علمية مستدامة
يحفل تاريخ العلوم بعدد كبير من العظماء في مجالات عديدة بين الحقب الزمنية المختلفة، ومن هنا نسلط معكم الضوء على ثلاثة من أبرز العلماء الذين قدموا بالعلم إنجازات رائدة ومستدامة.
19 يوليو 1921: روزالين يالو
شهدت مدينة نيويورك الأمريكية ميلاد “روزالين يالو”، الفيزيائية التي غيرت وجه التشخيص الطبي الحديث، بعدما أسهمت بمسيرتها العلمية في تطوير تقنيات دقيقة تعتمد على النظائر المشعة في قياس المواد البيولوجية داخل جسم الإنسان.
وتمكنت “يالو” -بالتعاون مع الطبيب “سولومون بيرسون”- من ابتكار تقنية “المقايسة المناعية الإشعاعية“، التي أتاحت للمرَّة الأولى في تاريخ العلوم قياس كميات ضئيلة للغاية من الهرمونات والمواد الحيوية في الدم، مثل الأنسولين.
وقد أحدث هذا الابتكار نقلة نوعية في تشخيص أمراض الغدد الصماء والسكري ومتابعتها، وأصبح أداة أساسية في المختبرات الطبية حول العالم حتى اليوم؛ ولذلك حصلت “يالو” على جائزة نوبل في الطب عام 1977، لتصبح أُولى نساء أمريكيا فوزًا بهذه الجائزة.
7 أغسطس 1933: إلينور أوستروم
وفي الاقتصاد يأتي ميلاد الأمريكية “إلينور أوستروم”، عالمة الاقتصاد السياسي، التي أعادت تشكيل الفهم العالمي لكيفية إدارة الموارد المشتركة، من خلال تركيزها على كيفية تعامل المجتمعات المحلية مع الموارد الطبيعية المشتركة، مثل المياه، والغابات، ومصايد الأسماك.
وأثبتت “أوستروم” عبر أبحاثها الميدانية المكثفة أنَّ المجتمعات المحلية قادرة على إدارة مواردها المشتركة بكفاءة ومن دون استنزافها، وذلك من خلال قواعد وأعراف تضعها بنفسها، بعيدًا عن الفرضية السائدة التي كانت تقول بحتمية استنزاف هذه الموارد ما لم تتدخل الدولة؛ وتقديرًا لهذه الإسهامات المستدامة حصلت “أوستروم” على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2009، لتصبح بذلك أُولى نساء العالم فوزًا بهذه الجائزة.
21 سبتمبر 1866: شارل نيكول
وُلد “شارل نيكول” في فرنسا، وأصبح أحد أبرز علماء البكتيريا، الذين أسهموا في إنقاذ ملايين الأرواح من الأوبئة الفتاكة؛ لأنَّ جهوده قد انصبت على دراسة كيفية انتقال الأمراض المعدية بين البشر.
ومن هنا تمكَّن “نيكول” خلال عمله في “معهد باستور” من اكتشاف أنَّ حشرة القمل هي الناقل الرئيسي لمرض التيفوس الوبائي؛ ليتيح هذا الاكتشاف وضع إجراءات وقائية فعَّالة حدَّتْ بشكل كبير من انتشار المرض، خاصة خلال الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية؛ واعترافًا بأهمية هذا الاكتشاف ومدى دوره في تحقيق الصحة الجيدة لجميع شعوب العالم، حصل “شارل نيكول” على جائزة نوبل في الطب عام 1928.
وفي الختام تكشف هذه الإسهامات العلمية المستدامة في تاريخ العلوم، عن أنَّ أعظم التحولات في حياة الإنسان قد تبدأ أحيانًا من أسئلة تبدو شديدة التخصص؛ لأنَّ قياس جزيئات دقيقة في الدم قاد إلى تحسين التشخيص الطبي، ودراسة سلوك المجتمعات تجاه مواردها المشتركة أعادت التفكير في طرق إدارتها، والبحث في حشرة صغيرة مثل القمل أسهم في كشف مسار انتقال مرض كان يهدد حياة الآلاف.
ويمتد أثر هذه الإسهامات ليُترجَم اليوم إلى نتائج ملموسة تخدم أهداف التنمية المستدامة مباشرة؛ وهو ما ندركه في تقنية “يالو” التي تستخدم الهرمونات في تشخيص أمراض الغدد الصماء، وبالمثل اكتشاف “نيكول”، الذي أسس لمنهجية وقائية تُطبَّق في مواجهة الأمراض المنقولة بالنواقل الحشرية.
وسوف نجد أيضًا أنَّ أُطر “أوستروم” في إدارة الموارد المشتركة باتت مرجعًا تستند إليه سياسات حديثة لإدارة المياه والغابات ومصايد الأسماك بشكل مستدام، خدمةً للهدف الثاني عشر، المعني بالإنتاج والاستهلاك المسئولين.
ومن منظور Earth Guards Foundation فإنَّ هذه النماذج تؤكد أنَّ استدامة التقدم العلمي تتحقق بقدرة المجتمعات على تحويل المعرفة إلى منفعةٍ عامة، منفعةٍ تحفظ صحة الإنسان، وتصون موارده، وتحد من المخاطر قبل تفاقمها؛ ولذلك فإنَّ دعمَ البحث العلمي والتعليم وإتاحةَ المعرفة أحدُ الشروط التي تجعل أهداف التنمية المستدامة قابلة للتحقق في أرض الواقع.




