ثلاثة عقود من الإصلاح.. هل تغيرت خريطة ملكية الأراضي في جنوب إفريقيا؟

ثلاثة عقود من الإصلاح.. هل تغيرت خريطة ملكية الأراضي في جنوب إفريقيا؟
بعد أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ما زال ملف ملكية الأراضي يكشف واحدة من أعمق صور عدم المساواة في البلاد. فخلال الحقبة العنصرية، كان السود يشكلون نحو 80% من السكان، لكن القوانين لم تسمح لهم بامتلاك الأراضي إلا داخل نحو 13% من مساحة الدولة، وهو إرث حاولت الحكومات المتعاقبة تفكيكه بعد التحول الديمقراطي.
وفي عام 1995، وضعت الحكومة هدفًا أوليًّا يقضي بإعادة توزيع 30% من الأراضي المملوكة للبيض على مزارعين سود من خلال برنامج قائم على السوق. لكن ما أُعيد توزيعه حتى الآن يتراوح بين 12% و20% فقط، ما يطرح سؤالًا أوسع: هل نجحت تغييرات ملكية الأراضي في تقليص الفجوة الاقتصادية بين المزارعين السود والبيض؟
إرث لم ينتهِ
اعتمدت جنوب إفريقيا لسنوات على نموذج يقوم على نظام البيع والشراء الطوعي، بحيث يختار المزارع الأبيض ما إذا كان يريد بيع أرضه، وغالبًا بسعر السوق أو أعلى منه، فيما تتدخل الدولة لدعم عملية الشراء وإعادة التوزيع.
ورغم أن هذا النموذج سمح بنقل مساحات من الأرض إلى مزارعين سود، فإن دراسة حديثة للباحث أليكس ديزنهاوس، من جامعة سانت أندروز، تشير إلى أن ملكية الأراضي لم تتغير دائمًا بطريقة تقلص الفجوات القديمة. واعتمد الباحث على مقابلات معمقة مع مزارعين تجاريين بيض ومستفيدين سود من برامج إصلاح الأراضي لفهم الظروف التي جرت فيها عمليات نقل الملكية ونتائجها.
وعلى مدار سبع سنوات من دراسة برنامج الإصلاح، ركز الباحث على العوامل التي تدفع المزارعين البيض إلى بيع أراضيهم، وفي المقابل التحديات التي يواجهها المزارعون السود بعد الحصول عليها وقدرتهم على تحويلها إلى نشاط زراعي منتج.
والنتيجة الأساسية كانت واضحة: في بعض المناطق، أدت إعادة التوزيع إلى إخراج الأنماط القديمة في صورة جديدة ولم تكسرها.
ملكية تتغير ومخاطر تنتقل
في مقاطعة فري ستيت، ركز الباحث على مناطق ظلت تحمل آثار الفصل المكاني الذي رسخه نظام الفصل العنصري بين المجتمعات السوداء والمزارع المملوكة للبيض. ومن خلال مقابلات مع 10 مزارعين بيض، وجد أن الخوف من سرقة الماشية كان أحد العوامل التي أثرت في قرارات بعضهم بشأن الأرض.
فبالنسبة إلى هؤلاء، أتاح برنامج إصلاح الأراضي بيع أجزاء من ممتلكاتهم للدولة بأسعار مناسبة، ثم الابتعاد بمزارعهم التجارية عن المناطق المجاورة للمجتمعات السوداء. وبذلك أصبحت الأراضي التي انتقلت إلى مزارعين سود بمثابة مناطق فاصلة بين الطرفين.
لكن إعادة رسم الحدود لم تعالج المشكلة نفسها؛ إذ أصبح المزارعون السود الجدد أكثر تعرضًا لمخاطر الجرائم الريفية وسرقة الماشية. وهكذا تكشف الدراسة أن تغير ملكية الأراضي قد يعيد توزيع الأرض دون أن يعيد بالضرورة توزيع المخاطر والفرص الاقتصادية بصورة أكثر عدلًا.
مزارع صغيرة وحدود كبيرة
في كوازولو ناتال، كانت الصورة مختلفة لكنها قادت إلى نتيجة مشابهة، فتاريخيًّا، عمل كثير من السود في مزارع يملكها البيض ضمن نظام يتيح للعامل الانتفاع بقطعة صغيرة من الأرض مقابل عمله في المزرعة. وأدى ذلك إلى وجود قطعان ماشية صغيرة للسكان السود داخل مناطق تهيمن عليها مزارع تجارية كبيرة.
وبحسب الدراسة، باع بعض المزارعين البيض أجزاء من أراضيهم عبر برنامج الإصلاح بهدف فصل قطعان هؤلاء العمال عن القطعان التجارية، بعدما كانت تختلط ببعضها وتتسبب في مشكلات تتعلق بالرعي والأسوار والسيطرة على الأمراض.

لكن النتيجة كانت أن بعض المستفيدين السود حصلوا على قطع صغيرة لا تمنحهم فرصة حقيقية للتوسع إلى نشاط زراعي تجاري مربح.
ويتقاطع هذا الوضع مع الهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالحد من أوجه عدم المساواة، لأن تغيير ملكية الأراضي لا يحقق أثرًا متكافئًا إذا ظل بعض المزارعين يملكون مساحات محدودة وقدرة أضعف على الاستثمار والتوسع مقارنة بالقطاع التجاري الأكبر.
السوق لم يحل المشكلة
ترى الدراسة أن الاعتماد الكبير على قوى السوق كان أحد أسباب محدودية نتائج الإصلاح. فالنظام القائم على البيع الطوعي قد يساعد على إبقاء المزارع منتجة ويمنح الملاك الحاليين حوافز للبيع، لكنه لا يعالج تلقائيًا الاختلالات التي تراكمت عبر قرون من الاستعمار والفصل العنصري.
ولهذا يرى الباحث أن الدولة بحاجة إلى دور أكثر فاعلية في تحديد كيفية انتقال ملكية الأراضي، وخلق حوافز أوسع للبيع، والأهم دعم المزارعين الجدد بعد حصولهم على الأرض.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن نقل الملكية وحده لا يضمن النجاح. فالمزارع الجديد يحتاج إلى التمويل، والوصول إلى الأسواق، والبنية التحتية، ومساحة تسمح له بالتوسع، وإلا بقي انتقال الأرض أقرب إلى تغيير قانوني محدود الأثر الاقتصادي.
الأرض وحدها لا تكفي
تُظهر تجربة كوازولو ناتال أن الحكومة نجحت في إعادة توزيع مساحات أكبر نسبيًّا، لكن كثيرًا من صغار المزارعين لم يحصلوا على الدعم الكافي لتحويل هذه الأراضي إلى مصدر دخل مستدام.
وهنا يرتبط الملف أيضًا بالهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالقضاء على الجوع وتعزيز الزراعة المستدامة، خاصة ما يتعلق بتمكين صغار منتجي الغذاء من الوصول بصورة عادلة إلى الأرض والموارد والأسواق. فنجاح ملكية الأراضي الجديدة لا يُقاس فقط بعدد الأفدنة المنقولة، بل بقدرة أصحابها على الإنتاج وتحقيق دخل لائق.

وتأتي هذه النتائج في وقت يتصاعد فيه الجدل السياسي الدولي حول سياسات الأراضي في جنوب إفريقيا. لكن الدراسة تشير إلى أن الصورة أكثر تعقيدًا من تقديم الإصلاح باعتباره صراعًا مباشرًا بين مزارعين سود وبيض؛ إذ استفاد بعض المزارعين البيض أنفسهم من آليات إعادة التوزيع لحل مشكلات اقتصادية أو تشغيلية واجهوها.
في الختام، بعد أكثر من 30 عامًا من الإصلاح، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: من يملك الأرض؟ بل: من يملك القدرة على تحويلها إلى فرصة اقتصادية حقيقية؟
وتشير Earth Guards Foundation إلى أن معالجة عدم المساواة في ملكية الأراضي تتطلب تجاوز نقل الملكية القانوني إلى تمكين المزارعين الجدد من الوصول إلى التمويل والخدمات والأسواق والمساحات الكافية للنمو، بما يضمن أن تتحول الأرض إلى مورد منتج لا إلى ملكية محدودة القيمة.
فإعادة توزيع الأرض قد تغيِّر الأسماء المسجلة في العقود، لكن تغيير موازين القوة الاقتصادية يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك: أرض قابلة للإنتاج، ودعم مستمر، وفرصة متكافئة لبناء مستقبل زراعي قابل للاستمرار.




