أخبار الاستدامة

النفايات البلاستيكية تعبر الحدود.. كيف وصلت نفايات بريطانيا إلى حقول تركيا؟

النفايات البلاستيكية
النفايات البلاستيكية تعبر الحدود.. كيف وصلت نفايات بريطانيا إلى حقول تركيا؟

على أطراف مدينة أضنة جنوب تركيا، تمر قناة مياه قرب واحدة من مناطق إعادة التدوير الكبرى، قبل أن تمتد إلى أراضٍ زراعية في سهل تشوكوروفا، أحد أكبر وأخصب الأحواض الزراعية في البلاد. لكن هذه المياه تحمل معها اليوم آثارًا مقلقة من النفايات البلاستيكية، بعدما كشفت عينات حديثة عن مستويات مرتفعة من البلاستيك الدقيق في مجرى يرتبط مباشرة بقنوات تُستخدم في ري المحاصيل.

القصة تبدأ بعيدًا عن الحقول التركية؛ ففي بريطانيا، تُجمع كميات ضخمة من البلاستيك تحت مظلة إعادة التدوير، ثم يُصدَّر جزء منها إلى الخارج لمعالجته. وتحولت تركيا خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز الوجهات لهذه الشحنات، ما أعاد طرح سؤال أوسع حول من يتحمل التكلفة البيئية الحقيقية للنفايات بعد مغادرتها الدولة التي استهلكتها.

نفايات تعبر الحدود

صدرت بريطانيا نحو 675 ألف طن من النفايات البلاستيكية خلال 2025، وهو أعلى مستوى خلال ثماني سنوات، وذهبت منها قرابة 139 ألف طن إلى تركيا.

وفي العام نفسه، تجاوزت صادرات الاتحاد الأوروبي من البلاستيك المستعمل إلى تركيا 500 ألف طن، بزيادة 19% مقارنة بالعام السابق.

لتكشف هذه الأرقام حجم التجارة العابرة للحدود في النفايات البلاستيكية، حيث تنتقل كميات كبيرة من المواد التي تم التخلص منها في دول أوروبية إلى منشآت معالجة وإعادة تدوير تقع على بعد آلاف الكيلومترات.

وفي أضنة تحديدًا، أظهر تحليل لبيانات الاستيراد والتصدير أن 13 شركة بريطانية أرسلت 545 شحنة بلغ إجماليها نحو 52 ألف طن إلى ثماني منشآت داخل منطقة إعادة التدوير بين مايو 2021 ويوليو 2024.

البلاستيك يصل إلى المياه

المشكلة ظهرت بوضوح عند فحص المياه المحيطة بالمنطقة، فقد سجلت العينات المأخوذة من القناة بعد مرورها بمنطقة إعادة التدوير مستويات من التلوث البلاستيكي بلغت نحو 10 أضعاف المستويات المسجلة في المواقع الواقعة قبل المنطقة.

كما عثر الباحثون على حبيبات وأغشية وشظايا بلاستيكية تتوافق بدرجة كبيرة مع المخلفات الناتجة عن عمليات معالجة وإعادة تدوير البلاستيك.

وتكتسب هذه النتائج أهمية كبرى لأن المجرى الملوث يفيض على الأراضي الزراعية خلال الأمطار الغزيرة، ثم يصب في قناة أكبر تستخدم لري المحاصيل في سهل تشوكوروفا، وهنا تنتقل أزمة النفايات البلاستيكية من منشآت المعالجة إلى قضية مرتبطة بجودة المياه والزراعة وسلامة الغذاء.

من المياه إلى المحاصيل

حذر عالم الأحياء البحرية التركي سيدات غوندوغدو، الذي أجرى عمليات أخذ العينات، من أن تصريف مياه محملة بالبلاستيك الدقيق في قنوات الري يثير مخاوف تتعلق بتلوث الأراضي الزراعية وسلامة الغذاء.

ويمثل سهل تشوكوروفا منطقة إنتاج زراعي مهمة، لذلك فإن وصول ملوثات بلاستيكية إلى شبكة الري يطرح تساؤلات حول ما يمكن أن يحدث للتربة والمحاصيل على المدى الطويل.

النفايات البلاستيكية إلى شبكة الري

ويتقاطع ذلك مع الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة المعني بالمياه النظيفة، والذي يرتبط بتحسين جودة المياه وتقليل التلوث، خاصة عندما تصبح مصادر الري نفسها مسارًا لانتقال الملوثات إلى البيئة الزراعية.

ويظهر هنا أن التعامل مع النفايات البلاستيكية يرتبط بكيفية التخلص منها، وأيضًا بما يحدث بعد دخولها منشآت المعالجة ومدى قدرة هذه المنشآت على منع انتقال المخلفات إلى المياه والتربة.

الطريق ينتهي في البحر

يمتد أثر التلوث الناتج عن النفايات البلاستيكية إلى ما هو أبعد من الحقول. فالمياه الخارجة من هذه القنوات تصل في النهاية إلى البحر المتوسط.

ما يعني أن البلاستيك الدقيق الناتج عن عمليات المعالجة يمكن أن يتحول من مشكلة داخلية في أضنة إلى جزء من أزمة التلوث البحري الأوسع، ويرى الباحثون أن ذلك يزيد تراكم البلاستيك في البحر ويقوض الجهود الرامية إلى حماية النظم البحرية.

ومن هنا يرتبط الملف أيضًا بالهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة الخاص بالحياة تحت الماء، خاصة فيما يتعلق بالحد من التلوث البحري القادم من الأنشطة البرية.

الحياة تحت الماء

ماذا يعني “استعمار النفايات”؟

أعادت نتائج التحقيق استخدام تعبير “استعمار النفايات”، وهو مصطلح يصف انتقال جزء من نفايات الدول الغنية إلى دول أخرى تملك أنظمة أقل قدرة على الرقابة أو إدارة هذه الكميات بالمعايير نفسها.

الفكرة هنا أن الدولة المصدرة تستفيد من التخلص من جزء من عبء النفايات خارج حدودها، بينما تتحمل المجتمعات المستقبلة جزءًا أكبر من المخاطر البيئية والصحية والاقتصادية.

ويرى نشطاء في بريطانيا وتركيا أن استمرار تصدير النفايات البلاستيكية بهذا الحجم يعكس خللًا في توزيع المسئولية، خاصة عندما يظهر التلوث في مناطق يعيش فيها سكان أقل قدرة على مواجهة آثاره.

كما يشير هذا النقاش أيضًا إلى جوهر الهدف 12 من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالاستهلاك والإنتاج المسؤولين، الذي يدعو إلى إدارة النفايات بطريقة سليمة وتقليل إنتاجها وتعزيز إعادة التدوير بصورة تحمي البيئة والمجتمع.

إعادة تدوير أم نقل للمشكلة؟

سبق أن ظهرت مؤشرات مقلقة في أضنة، ففي 2021، كشف تحقيق سابق عن وجود أثر ناتج عن النفايات البلاستيكية قادمة من متاجر بريطانية جرى التخلص منها أو حرقها في المنطقة.

وفي العام نفسه، أعلنت تركيا حظر بعض أنواع النفايات، من بينها البولي إيثيلين الذي يدخل في نسبة كبيرة من صادرات البلاستيك البريطانية، قبل أن تتراجع عن القرار بعد ضغوط من قطاع إعادة التدوير.

ولا يشير التحقيق الحالي إلى أن الشركات البريطانية المصدرة ارتكبت أعمالًا غير قانونية، لكنها ملزمة وفق القواعد المنظمة للتجارة في النفايات بالتأكد من معالجة ما تصدره بطريقة سليمة بيئيًا.

وتقول الحكومة البريطانية إن هناك ضوابط صارمة على تصدير النفايات، وإن الشركات مطالبة بضمان إدارتها بصورة آمنة، إلى جانب اتخاذ خطوات لتقليل الحاجة إلى التصدير مستقبلًا.

أوروبا تشدد القيود

يتجه الاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه إلى تشديد القيود على صادرات النفايات البلاستيكية أيضًا، فمن المقرر فرض حظر على بعض الصادرات إلى دول خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لكن تركيا عضو في المنظمة بالفعل، ما يثير مخاوف لدى نشطاء من احتمال زيادة تدفق النفايات إليها بدل تراجعه.

ويطالب الباحثون بتركيب أنظمة إلزامية لترشيح البلاستيك الدقيق داخل منشآت إعادة التدوير، إلى جانب مراقبة مستقلة لمياه الصرف في المناطق الزراعية.

كما يدعو ناشطون إلى زيادة الاستثمار في تقليل استخدام البلاستيك ومعالجته داخل الدول التي تنتجه، بدل الاعتماد المتزايد على تصديره إلى الخارج.

حين تصل النفايات إلى الطعام

تكشف قصة أضنة أن رحلة البلاستيك لا تنتهي عند إلقائه في سلة إعادة التدوير، فعبوة استُخدمت في بريطانيا قد تقطع آلاف الكيلومترات قبل أن تصل إلى منشأة في تركيا، ثم يظهر أثرها في قناة مياه ترتبط بحقول تنتج الغذاء، قبل أن تستكمل الملوثات رحلتها نحو البحر المتوسط.

وتلفت مؤسسة حماة الأرض إلى أن الإدارة المستدامة لملف النفايات البلاستيكية تبدأ من تقليل إنتاجها وتحمل المسؤولية عن دورة حياتها كاملة، بما يشمل ما يحدث لها بعد جمعها وتصديرها ومعالجتها.

فعبور النفايات للحدود يفاقم أثرها البيئي، عبر نقله إلى مجتمع آخر ومياه أخرى وحقول بعيدة عن المكان الذي بدأت منه القصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى