علوم مستدامة

أمريكا تخطط لإنشاء مجمعات الوقود النووي باستثمارات تصل إلى 50 مليار دولار

الوقود النووي
أمريكا تخطط لإنشاء مجمعات الوقود النووي باستثمارات تصل إلى 50 مليار دولار

تتحرك الولايات المتحدة نحو توسيع قدراتها في الوقود النووي، بعدما اختارت وزارة الطاقة خمس ولايات لدراسة استضافة مجمعات جديدة تجمع مراحل الصناعة النووية داخل مواقع متكاملة. وتشمل القائمة ولايات يوتا وتينيسي وأوكلاهوما ولويزيانا وأيداهو، في خطوة تستهدف تقوية البنية التحتية المحلية، وزيادة قدرات التصنيع، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية.

ولا ينفصل هذا التحرك عن مسار الاستدامة، إذ تسعى واشنطن إلى دعم إمدادات طاقة مستقرة وتعزيز الابتكار الصناعي، مع توسيع الاعتماد على تقنيات منخفضة الانبعاثات. لكن استدامة هذه المجمعات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرتها على إدارة الوقود المستخدم والنفايات المشعة بصورة آمنة، وحماية المجتمعات والموارد المحيطة بها على المدى الطويل.

ووقعت وزارة الطاقة مذكرات تفاهم مع الولايات الخمس لتقييم فرص تطوير ما يُعرف بـ “مجمعات ابتكار دورة الحياة النووية”، بعد مراجعة 28 طلبًا قدمتها 26 ولاية. ويظل الاختيار في مرحلته الأولية، إذ لم يُحسم بعد موقع نهائي، ولم تبدأ أعمال إنشاء المجمعات المقترحة.

استثمارات محتملة بقيمة 50 مليار دولار

تراهن المبادرة على تحويل صناعة الوقود النووي إلى محرك للنمو الاقتصادي الإقليمي، إذ تشير تقديرات وزارة الطاقة إلى إمكانية جذب ما يصل إلى 50 مليار دولار من استثمارات القطاع الخاص، وتحقيق نحو 10 مليارات دولار من الإيرادات الضريبية للولايات والمجتمعات المحلية.

كما يمكن أن تسهم المجمعات، حال تطويرها، في توفير قرابة 25 ألف وظيفة عالية المهارة، تشمل مجالات الهندسة والتصنيع والأبحاث والتشغيل والسلامة. وتبرز هذه الأرقام أن المشروع يُقدَّم بوصفه توسعًا في إنتاج الطاقة، فضلًا عن كونه قاعدة صناعية قادرة على جذب الشركات وتطوير العمالة المتخصصة وتنشيط الاقتصادات المحلية.

ووصف وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت المجمعات بأنها فرصة لإطلاق ما سماه “النهضة النووية الأمريكية”، مؤكدًا أنها قد تصبح مصدرًا للنمو الاقتصادي والوظائف مرتفعة الأجر. غير أن هذه التوقعات ستظل مرتبطة بنتائج الدراسات والقدرة على جذب التمويل الخاص والحصول على الموافقات اللازمة.

الطاقة النووية

ماذا تضم دورة الوقود النووي؟

صُممت المجمعات المقترحة لدعم مختلف مراحل الوقود النووي، بداية من تخصيب اليورانيوم وتصنيع الوقود اللازم للمفاعلات، وصولًا إلى إعادة معالجة الوقود المستخدم والتعامل النهائي معه. ويعني ذلك أن المشروع أوسع من إنشاء محطة جديدة لتوليد الكهرباء، لأنه يستهدف بناء منظومة صناعية متكاملة حول المواد والتقنيات النووية.

وقد تستضيف المواقع أيضًا مفاعلات متقدمة، ومنشآت لتوليد الكهرباء، ومصانع للمكونات والمعدات، إلى جانب مراكز بيانات تحتاج إلى إمدادات مستقرة من الطاقة. وستختلف طبيعة كل مجمع وفق إمكانات الولاية المضيفة وأولوياتها الصناعية، ما يسمح بتطوير نماذج متعددة بدلًا من تطبيق تصميم واحد في جميع الولايات.

ويهدف جمع هذه الأنشطة داخل مواقع مترابطة إلى تحسين كفاءة التصنيع وتقوية سلاسل الإمداد المحلية. كما قد يختصر المسافات بين البحث والتطوير والإنتاج والتشغيل، ويدعم انتقال التقنيات الجديدة من المختبرات إلى الاستخدام التجاري.

توطين الصناعة وتعزيز أمن الطاقة

يمثل تقليل الاعتماد على الخارج أحد الأهداف الرئيسية للمبادرة، إذ تريد وزارة الطاقة بناء قدرة محلية أكثر مرونة في إنتاج الوقود النووي والمكونات المرتبطة به. ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع توسع الطلب على الكهرباء، وزيادة الحاجة إلى مصادر قادرة على العمل بصورة مستمرة ودعم القطاعات الصناعية ومراكز البيانات.

ويرتبط هذا التوجه بالهدف السابع المعني بتوفير طاقة موثوقة ومستدامة، خاصة أن الطاقة النووية يمكن أن تسهم في إنتاج كهرباء منخفضة الكربون. كما يتصل بالهدف التاسع الخاص بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، من خلال تحديث القدرات التصنيعية وتطوير المفاعلات المتقدمة وبناء وظائف تقنية عالية القيمة.

لكن أمن الطاقة لا يتحقق بمجرد توطين الإنتاج، إذ يتطلب أيضًا تنوع الموردين، واستمرار الرقابة، وتأهيل الكفاءات، وضمان جاهزية المنشآت للتعامل مع الأعطال والمخاطر. لذلك ستحتاج مشروعات الوقود النووي إلى موازنة هدف الاستقلال الصناعي مع متطلبات السلامة والشفافية والرقابة طويلة الأجل.

أمن الطاقة

الولايات تراهن على القيادة النووية

رحب حكام الولايات المختارة بالخطوة، وركزت تصريحاتهم على فرص الاستثمار والوظائف وتعزيز مكانة ولاياتهم داخل الصناعة النووية الأمريكية. وأشار حاكم تينيسي بيل لي إلى التاريخ النووي للولاية ودورها خلال مشروع مانهاتن، مؤكدًا استعدادها لتطوير حلول طاقة آمنة وموثوقة.

وفي يوتا، اعتبر الحاكم سبنسر كوكس أن المشروع يمكن أن يدعم طموح الولاية لبناء دورة نووية متكاملة، من إنتاج الوقود إلى نشر المفاعلات المتقدمة. وربط المبادرة بتوفير طاقة وفيرة وتعزيز الأمن القومي والاستقلال في مجال الطاقة.

وتكشف هذه التصريحات عن منافسة اقتصادية وصناعية بين الولايات، إذ تسعى كل منها إلى جذب رأس المال والشركات والعمالة المتخصصة. ومع ذلك، فإن قبول المجتمعات المحلية سيظل عاملًا حاسمًا، خاصة في المواقع التي قد تستضيف عمليات تخصيب أو إعادة معالجة أو تخزين للنفايات.

الاستدامة تبدأ بعد استخدام الوقود

تظهر أهمية الاستدامة بوضوح عند الانتقال من إنتاج الكهرباء إلى ما يحدث بعد استهلاك الوقود النووي. فالمجمعات المقترحة تشمل إعادة معالجة الوقود المستخدم والتخلص النهائي منه، وهي مراحل ترتبط مباشرة بالسلامة البيئية وحماية المياه والتربة وتقليل المخاطر الممتدة عبر أجيال.

ويتصل هذا الجانب بالهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بأنماط الإنتاج والاستهلاك المسئولة، لأن تقييم الصناعة يجب أن يشمل دورة حياة المواد كاملة. وقد تساعد إعادة المعالجة على الاستفادة من بعض المواد المتبقية، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى أنظمة صارمة للتخزين والنقل والتخلص من النفايات المشعة.

ومن هنا، لا يمكن قياس نجاح المجمعات بحجم استثماراتها أو عدد الوظائف وحدهما. فالاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة الولايات ووزارة الطاقة على الجمع بين نمو صناعة الوقود النووي، وإنتاج الكهرباء منخفضة الانبعاثات، وإدارة المخاطر البيئية والصحية بشفافية.

وفي الختام، ستواصل وزارة الطاقة والولايات الخمس تقييم فرص تطوير المجمعات، وتحديد الأنشطة المناسبة لكل موقع، واحتياجات البنية التحتية والتصنيع والقوى العاملة. ولذلك تظل الأرقام المعلنة تقديرات محتملة، وليست نتائج مضمونة لمشروعات دخلت مرحلة التنفيذ.

وفي هذا الصدد، تشير مؤسسة حماة الأرض إلى أن توسيع الاعتماد على الوقود النووي يمكن أن يدعم أمن الطاقة والابتكار الصناعي، لكنه يحتاج إلى إطار استدامة واضح يضع السلامة وإدارة النفايات وحماية الموارد الطبيعية في قلب قرارات التطوير.

وبين طموحات جذب 50 مليار دولار وبناء صناعة نووية أكثر استقلالًا، تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من إعادة تنظيم منظومتها النووية. وسيعتمد نجاحها على تحويل مجمعات الوقود النووي المقترحة من مراكز للإنتاج والاستثمار إلى نماذج توازن بين الطاقة والاقتصاد والمسئولية البيئية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى