انبعاثات السيارات تشعل صراعًا قضائيًّا بين كاليفورنيا وواشنطن

انبعاثات السيارات تشعل صراعًا قضائيًّا بين كاليفورنيا وواشنطن
أوقف قاضٍ فيدرالي في واشنطن محاولة وكالة حماية البيئة الأمريكية إرسال أربعة إعفاءات خاصة بكاليفورنيا إلى الكونجرس تمهيدًا لإمكانية إلغائها، في خطوة تعيد فتح الصراع حول حق الولاية في فرض معايير أكثر تشددًا على انبعاثات السيارات والشاحنات.
وتسمح هذه الإعفاءات للولاية بتطبيق معايير أكثر تشددًا من القواعد الفيدرالية في بعض ملفات انبعاثات المركبات، وهو ما جعلها لسنوات واحدة من أكثر الولايات الأمريكية تشددًا في تنظيم انبعاثات المركبات.
ويأتي الحكم بينما تواصل إدارة الرئيس دونالد ترامب بذل جهود أوسع لتقليص صلاحيات كاليفورنيا في هذا الملف، إلى جانب سياسات أخرى تسهل بيع سيارات البنزين والشاحنات التقليدية، وتزيد تكلفة شراء بعض المركبات الكهربائية.
ما أصل الخلاف؟
تعود جذور الخلاف إلى وضع قانوني خاص تتمتع به كاليفورنيا بموجب قانون الهواء النظيف، يسمح لها بالحصول على إعفاءات من الحكومة الفيدرالية لفرض معايير أكثر تشددًا على انبعاثات السيارات والشاحنات.
ومنحت هذه الصلاحيات كاليفورنيا قدرة أكبر على دفع سوق السيارات نحو معايير أكثر صرامة، بما يدعم انتشار المركبات الأقل تلويثًا والكهربائية.
لكن إدارة ترامب سعت إلى إعادة تصنيف هذه الإعفاءات باعتبارها “لوائح” يمكن إخضاعها لقانون المراجعة في الكونجرس، ما يفتح الباب أمام إلغائها بأغلبية بسيطة. وهنا تدخل القضاء وأوقف هذا المسار مؤقتًا.
وبمعنى أبسط، القاضي لم يُلغِ قواعد الانبعاثات نفسها، وإنما أوقف محاولة تمرير إعفاءات كاليفورنيا إلى الكونجرس عبر مسار قد يؤدي إلى إلغائها.

القضاء يوقف خطوة EPA
أصدرت القاضية بيريل هاول أمرًا قضائيًّا أوليًّا يمنع وكالة حماية البيئة الأمريكية “U.S. Environmental Protection Agency” والمعروفة اختصارًا بــ EPA، من الاستمرار في إرسال الإعفاءات الأربعة إلى الكونجرس للمراجعة.
وكانت الوكالة قد رأت في يونيو أن الإعفاءات السابقة التي حصلت عليها كاليفورنيا بموجب قانون الهواء النظيف كان يجب عرضها على المشرعين حتى يتمكن الكونجرس من النظر في إلغائها.
لكن المحكمة رأت أن موقف الوكالة يتضمن تناقضًا في طريقة تصنيف هذه الإعفاءات، وأمرت EPA باتخاذ الخطوات اللازمة لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل يونيو.
ويمنح الحكم كاليفورنيا في الوقت الحالي فرصة للحفاظ على جزء مهم من قدرتها على تنظيم انبعاثات السيارات، بينما تستمر المعركة القانونية حول حدود صلاحيات الحكومة الفيدرالية والولايات.
أين وقع الخلاف القانوني؟
تركز الخلاف على قانون يعرف باسم Congressional Review Act، وهو قانون يسمح للكونجرس بإلغاء بعض اللوائح من خلال إجراءات أبسط نسبيًّا.
وتكمن أهمية هذا القانون في أن استخدامه يسمح لمجلس الشيوخ بالتصويت بالأغلبية البسيطة، وهو ما يجعل إلغاء القرار أسهل من تمرير تشريع جديد يحتاج عادة إلى دعم أوسع.
وترى EPA أن إعفاءات كاليفورنيا يمكن التعامل معها وفق هذا المسار، بينما تتمسك الولاية بأن هذه الإعفاءات ليست لوائح جديدة، وإنما صلاحيات منحها لها قانون الهواء النظيف.
وهنا يتركز جوهر النزاع: هل يمكن إخضاع إعفاءات كاليفورنيا لمسار يسمح للكونجرس بإلغائها بسهولة، أم تظل خارج نطاق هذا القانون؟
ولفهم أوسع للخلاف الدائر حول تنظيم الانبعاثات في الولايات المتحدة، اقرأ أيضًا: واشنطن تعتزم إلغاء قرار تنظيم الانبعاثات الكربونية.
سيارات البنزين والكهرباء
يمتد أثر القضية إلى ما هو أبعد من الإجراءات القانونية، إذ يرتبط مباشرة بمستقبل سوق السيارات في الولايات المتحدة.
وتسعى إدارة ترامب إلى تقليص القواعد التي تشجع السيارات الأنظف والكهربائية، بينما دعمت إجراءات أخرى تسهل على شركات السيارات بيع مزيد من المركبات العاملة بالبنزين والديزل.
وبالنسبة إلى كاليفورنيا، تمثل معايير انبعاثات السيارات أداة رئيسية لدفع السوق نحو مركبات أقل تلويثًا، سواء من خلال تحسين كفاءة السيارات التقليدية أو زيادة انتشار المركبات الكهربائية.
وكان الكونجرس قد ألغى في العام الماضي صلاحية كاليفورنيا التي كانت تتيح لها حظر بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين بعد عام 2035، بعد ضغوط من شركات سيارات من بينها Toyota وGeneral Motors.
وتكشف هذه التطورات أن الصراع حول الانبعاثات أصبح مرتبطًا أيضًا باتجاه صناعة السيارات نفسها، وتوازن المصالح بين الشركات والحكومة الفيدرالية والولايات.
وللتعرف على التحديات والفرص المرتبطة بتوسع المركبات الكهربائية من منظور الاستدامة، اقرأ أيضًا: صناعة السيارات الكهربائية في ميزان الاستدامة.

صراع أوسع على الانبعاثات
القضية الحالية تمثل جزءًا من مواجهة أكبر بين كاليفورنيا والحكومة الفيدرالية حول من يملك الكلمة الأقوى في وضع السياسات البيئية الخاصة بالنقل.
ففي الوقت الذي تدافع فيه كاليفورنيا عن حقها في تبني قواعد أشد صرامة، تعمل الإدارة الفيدرالية على تقليص هذه المساحة عبر مسارات قانونية وتشريعية متعددة.
ويضيف هذا الصراع بعدًا مؤسسيًّا إلى ملف خفض انبعاثات السيارات، لأن القرارات المتعلقة بالنقل ترتبط بالتكنولوجيا، وكذلك بتوزيع الصلاحيات بين المؤسسات ومستويات الحكم المختلفة.
ويتقاطع ذلك مع الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى جعل المدن أكثر استدامة وتقليل الأثر البيئي للنقل، كما يرتبط بالهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي من خلال سياسات خفض الانبعاثات ودعم التحول نحو وسائل نقل أقل تلويثًا.
ماذا يعني الحكم؟
الحكم لا ينهي النزاع، لكنه يمنع مؤقتًا استخدام المسار الذي كانت EPA تسعى من خلاله إلى عرض إعفاءات كاليفورنيا على الكونجرس لإلغائها.
كما أن هناك طعنًا قانونيًّا منفصلًا ما زال قائمًا بشأن الإجراءات السابقة التي أدت إلى إلغاء بعض صلاحيات الولاية المرتبطة بحظر سيارات البنزين بعد 2035.
وتعني هذه التطورات أن مستقبل انبعاثات السيارات في كاليفورنيا سيظل مرتبطًا بسلسلة من الأحكام القضائية والقرارات السياسية خلال الفترة المقبلة.
وفي هذا السياق، تشير مؤسسة حماة الأرض إلى أن القضية تعكس أهمية وضوح القواعد التنظيمية واستقرارها في إدارة التحول نحو وسائل نقل أقل تلويثًا، خاصة عندما تتقاطع حماية البيئة والصحة العامة مع مصالح صناعة السيارات والصلاحيات القانونية للولايات والحكومة الفيدرالية.




