سوق العمل في جنوب إفريقيا يشهد بطالة مرتفعة ووظائف شاغرة… فأين تكمن الأزمة؟

سوق العمل في جنوب إفريقيا يشهد بطالة مرتفعة ووظائف شاغرة... فأين تكمن الأزمة؟
في مدينة نيوكاسل جنوبَ إفريقيا وقفت صفوف من ماكينات الخياطة بلا عمال بعد أسابيع من احتجاجات تناهضُ وجودَ مهاجرينَ؛ مما دفع بآلاف العمال الأجانب إلى المغادرة، وكان الهدف المعلن من الحملة إتاحة مزيد من الوظائف أمام مواطنين يعيشون في بلدٍ يعاني فيه نحو ثلث السكان بطالةً حادةً، لكن ما حدث داخل بعض المصانع كشف عن أزمة أكثر تعقيدًا داخل سوق العمل!
فمع رحيل عدد من العمال المهاجرين، وجدت مصانع الملابس نفسها أمام وظائف شاغرة يصعب شَغْلُها سريعًا، في وقت تتداخل فيه عدة عوامل؛ من الأجور المنخفضة وتكاليف الانتقال إلى الخبرة المطلوبة وظروف العمل وفرص التقدم الوظيفي.
ماكينات بلا عمال
هناك أفاد أصحاب ثلاثة مصانع في نيوكاسل بأنَّ الاحتجاجات تسببت في فقدان ما بين 12% و19% من قوتهم العاملة؛ وهي خسائر ذات دلالة مهمة في مدينة تُعد من المراكز الصناعية البارزة في “إقليم كوازولو ناتال”، حيث تُشكل صناعة الملابس والمنسوجات جزءًا مهمًّا من نشاطها الاقتصادي المحلي.
كذلك قدَّرت نقابةُ عمال الملابس والمنسوجات في جنوب إفريقيا أنَّ نحو 15% من قوة العمل -البالغة 15 ألف عامل- في قطاع النسيج بالمدينة قد غادرت خلال الاحتجاجات.
وبسبب ذلك ظهرت مفارقة واضحة داخل سوق العمل؛ إذْ إنَّ المغادرة الجماعية أتاحت وظائف شاغرة بالفعل، غير أنَّ أصحاب المصانع قالوا: إنَّ العثور على بدائل بالخبرة نفسها وفي الظروف الحالية لم يكن سهلًا.

لماذا غادر العمال؟
جاءت عمليات المغادرة بعد أشهر من المسِيرات المناهضة للمهاجرين وهجمات نفذتها مجموعات أهلية، قبل أنْ تعلن جماعة “March and March” مهلةً لمغادرة المهاجرين غير النظاميين؛ لأنهم سببٌ في المشكلات الاقتصادية التي تواجهها جنوب إفريقيا، وعلى رأسها البطالة المرتفعة، كما رأتْ أنَّ بعض أصحاب العمل يفضلون العمال الأجانب؛ لما لهم من استعداد لقبول أجور أقل.
في المقابل يقول أصحاب المصانع: إنَّ الغالبيةَ الكبرى من العاملين لديهم من جنوب إفريقيا نفسها، وبعضَ العمال القادمين من دول مجاورة -مثل إسواتيني، وليسوتو- يتمتعون بخبرات تراكمت داخل صناعة الملابس ويصعب تعويضها في وقت قصير.
فجوة في المهارات
يمثل نقص بعض المهارات أحد التفسيرات التي يطرحها أصحاب المصانع، فأحد مالكي المصانع قال: إنه لا يستطيع تعويض الخبرات التي غادرت بصورة فورية، فيما بدأ مصنع آخر برنامجًا لتدريب سبعة عمال محليين بعد أنْ فقد نحو أربعين عاملًا أجنبيًّا خلال يونيو. ومع ذلك فإنَّ قدرة المصانع المالية لا تسمح بتدريب عدد أكبر؛ ما يوضح أنَّ تحويل الشواغر إلى فرص عمل فعلية يحتاج وقتًا وتكلفة وتدريبًا.
وتكشف هذه النقطة جانبًا مهمًّا من جوانب سوق العمل؛ لأنَّ وجود وظيفة شاغرة لا يعني بالضرورة وجود عامل جاهز فورًا للقيام بها، خاصة في الصناعات التي تعتمد على مهارة فنية وسرعة إنتاج وخبرة عملية.
الأجر يغير الصورة
تُفسر النقابةُ العماليةُ المشكلة تفسيرًا مختلفًا، فهي ترى أنَّ جنوب إفريقيا تمتلك عددًا كافيًا من عمال ماكينات الخياطة المؤهلين، سوى أنَّ بعض الوظائف لا تجذب العمال المحليين بسبب انخفاض الأجور، بالإضافة إلى عامل آخر هو تكاليف الانتقال إلى المصانع، خاصةً أنَّ بعض العمال المهاجرين كانوا يقيمون داخل مواقع العمل؛ مما يقلل من النفقات اليومية المرتبطة بالمواصلات.
وحول ذلك يشير باحثون في سوق العمل إلى أنَّ جذب المواطنين إلى الوظائف الصناعية يحتاج إلى تحسُّنٍ أوسع نطاقًا في القطاع، يشمل الأجرَ، وظروفَ العمل، وإمكانيةَ الترقي والتطور المهني.
وهنا تتضح علاقةُ ما مضى من تحولات في سوق العمل الجنوب إفريقي مع الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي؛ إذْ تعتمد جودة سوق العمل هناك على توافر وظائف توفر دخلًا مناسبًا وظروفًا تساعد العامل على الاستمرار والتقدم.
بطالة ووظائف شاغرة!
يبدو التناقض في هذه الأزمة أوضح عند النظر إلى معدل البطالة المرتفع في جنوب إفريقيا؛ فوجود نسبة كبيرة من الباحثين عن عمل بالتزامن مع وظائف شاغرة داخل المصانع يكشف عن أنَّ عدد الوظائف وحده لا يقدم صورة كاملة عن سوق العمل.
ذلك لأنَّ العامل ينظر أيضًا إلى صافي ما سيحصل عليه بعد تكاليف الانتقال، وطبيعة ساعات العمل، ومستوى الاستقرار، وفرص اكتساب مهارات جديدة أو الانتقال إلى وظيفة أفضل؛ ولهذا قد تظل بعض الوظائف شاغرة حتى في اقتصاد يعاني بطالةً مرتفعةً، إذا كانت شروطها لا تجذب ما يكفي من الفئات القادرة على شَغْلِها.

أجور تحت الضغط
أيضًا يعتمد كثيرٌ من مصانع الملابس في نيوكاسل على نظام الأجر بالقطعة، حيث يرتبط دخل العامل بعدد القطع التي ينجزها، وهناك يتمكن العمال الأكثر إنتاجية دون غيرهم من الوصول إلى الحد الأدنى الوطني للأجور، البالغ 30.23 راند (عملة جنوب إفريقيا) في الساعة؛ أي نحو 1.83 دولار، فيما يحصل آخرون على أقل من ذلك.
وفي ذلك يقول أصحاب المصانع: إنَّ قدراتهم على رفع الأجور محدودة؛ بسبب الأسعار المنخفضة التي يدفعها تجار التجزئة مقابل المنتجات، فقد يبدأ ما يحصل عليه المصنعُ مقابلَ زوجٍ من الجينز -على سبيل المثال- من نحو 11.50 راند، حينما يقل سعر بعض القمصان عن نصف هذا الرقم.
وبذلك تواجه الصناعة ضغطًا من الاتجاهينِ: عمال يبحثون عن أجور أفضل، ومصانع تعمل بهوامش ربح محدودة، محاوِلةً الحفاظَ على قدراتها التنافسية.
من يخسر في النهاية؟
تكشف الأزمة عن أنَّ إصلاح سوق العمل يحتاج إلى أكثر من نقل الوظيفة من عامل إلى آخر، فإذا خرج العمال المهاجرون وبقيت الوظائف غير جاذبة أو احتاجت إلى مهارات لا يمكن توفيرها سريعًا، فقد يتراجع الإنتاج وتزداد الضغوط على المصانع؛ بما يهدد وظائف المواطنين العاملين فيها أيضًا.
ويرتبط ذلك مجددًا بمفهوم العمل اللائق ضمن الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، الذي يجمع بين خلق فرص العمل، وتحسين جودتها، ودعم النشاط الاقتصادي القادر على الاستمرار.
ومِن هنا، تشير مؤسسة حماة الأرض إلى أنَّ تجربة مصانع نيوكاسل توضح أهمية النظر إلى سوق العمل باعتباره منظومة مترابطة تشمل الأجر والتدريب والمهارات وظروف العمل وقدرة الشركات على الاستمرار؛ لأنَّ التحدي الحقيقي أمام جنوب إفريقيا يتمثل في بناء وظائف يجد العمال فيها قيمة اقتصادية وفرصة حقيقية للاستقرار والتطور.




