صناعات مستدامة

الابتكار في الصين يجذب العالم.. جولات ميدانية بآلاف الدولارات لفهم أسرار التصنيع

الابتكار في الصين

الابتكار في الصين يجذب العالم.. جولات ميدانية بآلاف الدولارات لفهم أسرار التصنيع

يتحول الابتكار في الصين إلى مقصد جديد للمستثمرين ورواد الأعمال والمديرين التنفيذيين من مختلف أنحاء العالم، مع تزايد الرحلات التي تستهدف دخول المصانع الصينية ومشاهدة الروبوتات البشرية والسيارات الكهربائية وتقنيات الذكاء الاصطناعي على أرض الواقع.

ويدفع بعض المشاركين آلاف الدولارات مقابل جولات تمنحهم وصولًا مباشرًا إلى المصانع والشركات التكنولوجية، في محاولة لفهم السرعة التي تتحرك بها الصين في مجالات التصنيع المتقدم، ومدى قدرة شركاتها على المنافسة عالميًّا.

ويعكس هذا الإقبال مخاوف متزايدة داخل مجالس إدارات الشركات الغربية من موجة جديدة من المنافسة الصينية، مع توسع الشركات المحلية في الروبوتات والبطاريات والسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي، وتحول الصين من قاعدة إنتاج واسعة إلى بيئة يذهب إليها الآخرون للتعلم ودراسة نماذجها الصناعية.

آلاف الدولارات لدخول المصانع

ينظم روبرت وو، الرئيس التنفيذي لشركة Baiguan للأبحاث في شنغهاي، جولات تستمر خمسة أيام للمستثمرين ورواد الأعمال والمديرين التنفيذيين، تصل تكلفتها إلى 15 ألف دولار للمشارك.

ونظم روبرت حتى الآن جولتين شارك فيهما أكثر من عشرين شخصًا، جاء نحو نصفهم من دول جنوب شرق آسيا.

إذ يشير إلى أن النظر إلى الصين باعتبارها مكانًا للدراسة والتعلم يمثل تحولًا واضحًا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات قليلة.

ويبحث الزوار خلال هذه الجولات عن فرصة لرؤية منظومة الابتكار في الصين بصورة مباشرة، وفهم الطريقة التي تتحول بها التقنيات الجديدة إلى خطوط إنتاج ومنتجات قادرة على الوصول إلى السوق بسرعة.

وشملت قائمة الزائرين المعروفين شركات استثمار أمريكية مثل Dimension وCapital Group وThrive Capital، إلى جانب شخصيات تعمل في قطاع التكنولوجيا والإعلام.

آلاف الدولارات لدخول المصانع

الصين وجهة للتعلم

أصبح الدخول إلى المصانع الصينية بالنسبة لبعض المستثمرين جزءًا من عملية التحقق التي تسبق القرارات الاستثمارية.

ويرى روي ما، مؤسس Tech Buzz China، أن زيارة الصين تتيح للمستثمر فهم الشركات المحلية التي قد يقابلها مستقبلًا بوصفهم منافسين أو شركاء أو موردين أو فرص استثمار في أسواق مختلفة حول العالم.

وتشمل مسارات هذه الجولات مدنًا مثل بكين وشنتشن وشنغهاي وهانغتشو وخفي، وهي مراكز أساسية في طفرة السيارات الكهربائية والبطاريات والذكاء الاصطناعي والروبوتات.

ويشرح برتراند تشين، الرئيس التنفيذي لـGlobal Shipping Business Network، أن فهم الحجم والسرعة والطابع العملي للابتكار الصيني يصبح أكثر وضوحًا عند الوقوف داخل المصنع ومشاهدة الإنتاج مباشرة.

الروبوتات البشرية

لماذا يسافر المستثمرون إلى الصين؟

تتعدد دوافع هذه الزيارات، ويبرز بينها:

  • مشاهدة سرعة التصنيع والتوسع على أرض الواقع.
  • فهم طريقة عمل سلاسل التوريد والوصول إلى المكونات.
  • التعرف إلى شركات قد تصبح منافسين أو شركاء أو موردين.
  • دراسة أسلوب دعم الدولة للاستثمار في التكنولوجيا ونشرها على نطاق واسع.

وتحول هذه الدوافع الجولات التقنية من تجربة سياحية إلى أداة لفهم التصنيع والابتكار في الصين واتجاهاتهما المستقبلية.

وفي هذا السياق، يتقاطع هذا التوسع في الابتكار في الصين مع الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، حيث تمثل قدرة الدول على تطوير قواعد صناعية متقدمة وربط البحث بالتطبيق عنصرًا مهمًا في تعزيز الإنتاجية والتنافس الاقتصادي.

سياحة صناعية بالمليارات

يمتد الاهتمام بالمصانع الصينية إلى قطاع أوسع من السياحة الصناعية، الذي حقق نحو 17.8 مليار دولار خلال العام الماضي، وفق بيانات نقلتها وسائل إعلام رسمية صينية، ومن المتوقع أن تتجاوز قيمة القطاع 300 مليار يوان، أي نحو 44.6 مليار دولار، بحلول 2029.

وسجلت وكالة GloPen المتخصصة في الجولات التقنية بمدينة شنغهاي زيادة قدرها 50% في الاستفسارات خلال 2026، خاصة من عملاء أوروبيين وسنغافوريين، وأصبحت تنظم أكثر من 100 جولة لشركات كل شهر.

كما أعلنت بكين دعمها لتوسيع السياحة الصناعية، وحددت أكثر من 140 موقعًا رسميًّا لتكون نماذج لهذا النوع من الزيارات.

ويبرز مصنع Xiaomi للسيارات الكهربائية في بكين باعتباره أحد الأمثلة، بعدما استقبل أكثر من 250 ألف زائر منذ مارس 2024، مع ارتفاع الطلب على الدخول إلى درجة إعادة بيع بعض الحجوزات الممنوحة بالقرعة مقابل ما يصل إلى 2,000 يوان، أي نحو 300 دولار.

مصنع Xiaomi للسيارات الكهربائية في بكين

أوروبا تخشى التأخر

يحظى هذا النوع من الزيارات باهتمام خاص من المديرين الأوروبيين الذين يواجهون تباطؤًا في نمو الإنتاجية ومخاوف من اتساع الفجوة في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات.

وقاد أليكس شينغيون لو، مستشار الذكاء الاصطناعي في Praxis Advisory بمدينة شنغهاي، سبعة وفود منذ أواخر 2025، ضم بعضها ما يصل إلى 50 زائرًا من الشركات.

ويشير شينغيون إلى أن الوفود الأوروبية تصل وفي ذهنها سؤالان أساسيان: ما الذي يمكن تعلمه من الشركات الصينية؟ وكيف تدير الدولة استثماراتها التكنولوجية على نطاق واسع؟

كما يسعى المديرون إلى فهم طريقة تنسيق نشر الذكاء الاصطناعي بين المقاطعات الصينية، وما يمكن نقله من هذه التجربة إلى أسواقهم.

ويرتبط هذا التنافس بالهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة المعني بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد، إذ أصبحت الإنتاجية والتكنولوجيا والقدرة على تطوير صناعات عالية القيمة عوامل أساسية في تحديد قدرة الاقتصادات على النمو والمحافظة على تنافسيتها.

شنتشن في قلب التحول

تمثل شنتشن أحد أبرز النماذج على تحول الابتكار في الصين من التصنيع منخفض التكلفة إلى منظومة تجمع الروبوتات والذكاء الاصطناعي وتصنيع الأجهزة وسلاسل التوريد المتقدمة.

حيث ارتفع عدد الزوار الأجانب إلى المدينة بنسبة 70% خلال العام الماضي، ثم بأكثر من 30% في الربع الأول من العام الجاري، فيما تجاوز عدد مرات الدخول خمسة ملايين حتى أغسطس 2026.

وتستعد المدينة أيضًا لاستضافة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ APEC في نوفمبر، وسط جهود لتعزيز صورتها كواجهة للتكنولوجيا الصينية.

وظهرت فيها مساحات عمل وإقامة تشبه ما يعرف في وادي السيليكون بـ hacker houses””، تستضيف رواد أعمال أجانب يعملون في الروبوتات وأجهزة الذكاء الاصطناعي.

كما توجد مجموعات على تطبيق WeChat تضم مئات الأشخاص الذين يتنقلون بين وادي السيليكون وشنتشن، ويتبادلون المعلومات حول مصانع البطاريات والشاشات والمكونات المختلفة.

ويصل بعض المؤسسين إلى المدينة خلال فترة الدخول دون تأشيرة التي تمتد عشرة أيام، بحثًا عن مصانع قادرة على تحويل أفكارهم إلى نماذج أولية.

وللتعرف على جانب آخر من تطور قطاع الروبوتات في الصين، اقرأ أيضًا: أولمبياد الروبوتات البشرية الصيني يستعرض قدرات تكنولوجية.

 هل تتفوق الصين فعلًا؟

رغم الاهتمام المتزايد بالتجربة الصينية، يحذر بعض المتابعين من المبالغة في تقدير حجم تفوقها.

ويشير روي ما إلى أن الشركات غير الصينية ما زالت تستحوذ على الحصة الأكبر من الأسواق العالمية في قطاعات تكنولوجية عديدة، كما تمتلك كثيرًا من حقوق الملكية الفكرية المتقدمة وتحقق أرباحًا أكبر.

كما يصل بعض الزوار إلى الصين بتصورات تحتاج إلى مراجعة. ويذكر روبرت وو مثالًا على ذلك في قطاع سيارات الأجرة ذاتية القيادة، حيث يعتقد بعض الزائرين أن الصين تسبق الولايات المتحدة، بينما تؤدي السياسات المحلية الحذرة المرتبطة بمخاوف فقدان الوظائف إلى إبطاء انتشار هذه التكنولوجيا.

ويمنح هذا التوازن صورة أدق عن مستقبل الابتكار في الصين؛ فالقوة الصينية تظهر بصورة واضحة في سرعة التصنيع والتوسع، بينما تستمر المنافسة العالمية في البحث والملكية الفكرية والأرباح والتقنيات المتقدمة.

الصناعة المستدامة

من المصنع إلى المنافسة العالمية

تكشف موجة الجولات التقنية عن تحول في الطريقة التي ينظر بها المستثمرون إلى الصين. فالمصانع التي ارتبطت سابقًا بالإنتاج منخفض التكلفة أصبحت بالنسبة إلى كثير من الزوار أماكن لدراسة سرعة تطوير المنتجات وتكامل سلاسل التوريد وقدرة التكنولوجيا على الانتقال إلى الاستخدام اليومي.

ويبرز الابتكار في الصين هنا بوصفه منظومة تجمع البحث والتصنيع والاستثمار والأسواق، وهو ما يفسر اهتمام المستثمرين بفهم التجربة مباشرة من داخل المصانع والمدن الصناعية.

وللتعرف على جانب آخر من توسع الصين الصناعي وقدرتها على تحويل الاستثمار إلى مشروعات فعلية، اقرأ أيضًا: الصين تستثمر في الصناعة النظيفة مع تراجع الزخم الأمريكي.

وفي هذا السياق، تشير مؤسسة حماة الأرض إلى أن قدرة الاقتصادات على تحويل المعرفة إلى منتجات وصناعات واسعة النطاق أصبحت عنصرًا رئيسيًا في المنافسة العالمية. وتوضح موجة الزوار المتجهين إلى المصانع الصينية كيف تحول الابتكار في الصين إلى تجربة يسعى المستثمرون ورواد الأعمال إلى دراستها من الداخل، خاصة مع تنامي دور الروبوتات والذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية في رسم ملامح الصناعة خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى