الأمم المتحدة تقود حوكمة الذكاء الاصطناعي لضمان تحقيق مستقبل مستدام
يتصدر الذكاء الاصطناعي الثورة الرقمية؛ بوصفه إحدى أكثر التقنيات تأثيرًا في إعادة تشكيل الاقتصادات والمجتمعات وسبل التنمية. ومع اتساع نطاق تطبيقاته في مجالات الصحة والتعليم والزراعة والبحث العلمي وإدارة الكوارث، يمتد النقاش إلى كيفية توجيهها بما يحقق المنفعة العامة ويحد من المخاطر المصاحبة لها.
وفي هذا السياق، تكثف الأمم المتحدة جهودها لترسيخ حوكمةٍ عالمية للذكاء الاصطناعي، انطلاقًا من رؤية تستهدف تعظيم إسهاماته في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، مع ضمان عدالة الوصول إلى هذه التكنولوجيا، وتعزيز التعاون الدولي، وإرساء أطر للشفافية والمساءلة تُبقي الإنسان في صميم عملية اتخاذ القرار.
وفي هذا المقال نستعرض إطلاق أول حوار عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي تجسيدًا لهذا التوجه، بما يفتح آفاقًا جديدة لبناء مستقبل رقمي أكثر شمولًا واستدامة.
وفي إطار الاهتمام الدولي بتنظيم مسار الذكاء الاصطناعي، أطلقت الأمم المتحدة أول حوار عالمي لحوكمة هذه التكنولوجيا، بمشاركة الحكومات وشركات التكنولوجيا والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني والخبراء التقنيين، بهدف بناء إطار دولي أكثر شمولًا يضمن أن تعكس قواعد الحوكمة احتياجات جميع الدول، لا سيما الدول النامية، وألا تظل صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي حكرًا على الدول الأكثر تقدمًا في هذا المجال.
ويستهدف هذا التوجه تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات وبناء القدرات، بما يسهم في تضييق الفجوة الرقمية ومنع تحولها إلى فجوة في الذكاء الاصطناعي ثم إلى فجوة تنموية أوسع. ومن هذا المنطلق، تسعى الأمم المتحدة إلى ترسيخ نهج تشاركي يوازن بين تشجيع الابتكار ووضع أطر حوكمة تضمن الاستخدام المسئول للتكنولوجيا، بما يعزز العدالة الرقمية ويهيئ بيئة أكثر تكافؤًا للاستفادة من الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي.
وبدورها، أكدت “دورين بوغدان-مارتن”، الأمينة العامة للاتحاد الدولي للاتصالات، أن الحوار العالمي عزز التركيز على بناء مستقبل للذكاء الاصطناعي يشمل الجميع، خاصةً في ظل وجود نحو 2.2 مليار شخص لم ينضموا بعد إلى العالم الرقمي، بما يعكس أهمية تضييق الفجوة الرقمية؛ لضمان استفادة أكثر عدالة من التحول الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي وتحقيق التنمية المستدامة
ولإرساء حوكمة عالمية أكثر شمولًا، تبرز القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في قدرته على دعم جهود التنمية المستدامة وتسريع وتيرتها، وتؤكد الأمم المتحدة أن الذكاء الاصطناعي، إذا أُحسن توظيفه ضمن أطر حوكمة فعَّالة، يمتلك القدرة على تسريع التقدم نحو تحقيق معظم أهداف التنمية المستدامة، من خلال توفير حلول مبتكرة تدعم تطوير خدمات الرعاية الصحية، والارتقاء بجودة التعليم، وتعزيز البحث العلمي، وتحسين الإنتاج الزراعي، ورفع كفاءة الاستعداد للكوارث والاستجابة لها. وهو ما يجعله أداة استراتيجية لدعم التنمية الشاملة، وليس مجرد تطور تقني يقتصر أثره على القطاع الرقمي.
واستكمالًا لهذا التوجه، تركز الجهود الأممية على ضمان إتاحة هذه التكنولوجيا على نطاق أوسع، وتعزيز بناء القدرات وتبادل الخبرات بين الدول، بما يمكّن مختلف المجتمعات من الاستفادة من الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي. فكلما اتسعت دائرة الوصول إلى هذه التقنيات، ازدادت قدرتها على تقليص فجوات التنمية، ودعم الابتكار، وتعزيز مسيرة التحول نحو مستقبل أكثر استدامة وشمولًا.
الابتكار المسئول لمستقبل رقمي مستدام
وتؤكد الأمم المتحدة أن تحقيق الاستفادة القصوى من هذه التكنولوجيا يظل مرهونًا بوجود أطر حوكمة تضمن الاستخدام المسئول لها، من خلال تعزيز الشفافية والمساءلة، وترسيخ الإشراف البشري على أنظمتها، بما يتوافق مع القانون الدولي ويحافظ على حقوق الإنسان.
وفي هذا الإطار، صرح المدير العام لليونسكو، الدكتور/ خالد العناني: “إنَّ التراث الثقافي واللغوي الغني والمتنوع للبشرية هو أعظم مصدر نستمد منه الإبداع والهوية والقدرة على الصمود، ولكن ينبغي لنا ضمان قيام الذكاء الاصطناعي بتعزيز هذا التنوع بدلًا من تقويضه. ويؤدي الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي دورًا أساسيًّا في حماية جميع الأصوات وتمكين جميع الثقافات، وضمان أن يبين الابتكار الطيف الكامل للثقافة الإنسانية”.
تعزيز الشراكات الدولية وتبادل الخبرات والقدرات
كما تبرز ضرورة تعزيز الشراكات الدولية وتبادل الخبرات وبناء القدرات، باعتبارها ركائز أساسية لتطوير منظومة عالمية قادرة على مواكبة التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي. ولقد حظيت مبادرة الأمم المتحدة لإنشاء شبكة عالمية لتبادل الخبرات والتعاون في بناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي بتأييد أكثر من 20 دولة، بما يعزز فرص توحيد الجهود الدولية وتوسيع الاستفادة من هذه التكنولوجيا.
كما تشدد الأمم المتحدة على أهمية مراعاة الأبعاد الاجتماعية والبيئية للذكاء الاصطناعي، بما يضمن توظيفه بصورة مسئولة تُسهم في بناء مستقبل رقمي أكثر عدالة واستدامة، وتخدم الإنسان والتنمية على حد سواء.
وختامًا، إن مستقبل الذكاء الاصطناعي سوف يتحدد بقدرة المجتمع الدولي على بناء منظومة حوكمة تضمن توجيه هذه القدرات نحو خدمة الإنسان وتعزيز التنمية. ومن هنا تأتي أهمية التحرك الأممي لتأسيس حوار عالمي شامل، يضع قواعد مشتركة تحقق التوازن بين دعم الابتكار وحماية المجتمعات من المخاطر، بما يجعل التكنولوجيا شريكًا في مسار التنمية لا عاملًا جديدًا لتوسيع الفجوات.
ومن جانبها تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على امتلاك التكنولوجيا إلى جانب توظيفها بصورة عادلة ومسئولة ومستدامة، بما يعزز تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويرسخ مستقبلًا رقميًّا تكون فيه التكنولوجيا وسيلة لتمكين الإنسان وتحقيق الازدهار المشترك.