كيف أعادت الفلبين عادة قديمة لمواجهة النفايات البلاستيكية وتقليل تكلفة الشراء؟

كيف أعادت الفلبين عادة قديمة لمواجهة النفايات البلاستيكية وتقليل تكلفة الشراء؟
بعد انتهاء اليوم الدراسي في مدينة مالابون الفلبينية، تبدأ حركة مختلفة داخل متجر صغير في حي بوتيرو. أمهات يدخلن بصحبة أطفالهن وهن يحملن زجاجات فارغة لإعادة تعبئتها بصلصة الصويا أو زيت الطهي، بينما تتحول علب الآيس كريم والبسكويت القديمة إلى أوعية للدقيق والسكر، ويحصل الأطفال على الحلوى ورقائق الموز داخل أكياس ورقية.
المشهد يبدو بسيطًا، لكنه يمثل محاولة محلية لمواجهة واحدة من أكبر مشكلات النفايات البلاستيكية في الفلبين، وهي مشكلة ترتبط بثقافة استهلاك واسعة تعتمد على شراء السلع بكميات صغيرة داخل أكياس بلاستيكية تستخدم مرة واحدة ثم تتحول سريعًا إلى مخلفات.
من هنا ظهرت تجربة تينجي تينداهان “Tingi Tindahan“، ومعناها “متجر لبيع الكميات الصغيرة”، وهي مبادرة تعتمد على إعادة التعبئة وإعادة استخدام العبوات القديمة، مع الحفاظ على عادة شراء الكميات الصغيرة التي اعتادها السكان منذ عقود، لكن دون الاعتماد على العبوات البلاستيكية التي أصبحت جزءًا رئيسيًّا من أزمة النفايات في البلاد.
عادة قديمة تعود
عرفت الفلبين منذ عقود عادة شراء السلع بكميات صغيرة، المعروفة محليًّا باسم Tingi، والتي أتاحت للأسر الحصول على احتياجاتها اليومية وفق قدرتها الشرائية.
فقبل انتشار العبوات البلاستيكية، كان السكان يحملون الزجاجات والبرطمانات القديمة لشراء الزيت والخل والسلع الأساسية، كما استخدموا حقائب منسوجة محليًّا لحمل المنتجات الأكبر حجمًا.
لكن دخول الأكياس الصغيرة الجاهزة إلى الأسواق غيَّر هذا النمط تدريجيًّا. فقد وفرت للمستهلك منتجًا رخيصًا ومعبأً مسبقًا وبكمية تناسب قدرته الشرائية، ما جعلها خيارًا سهلًا للأسر محدودة الدخل.
ومع توسع استخدامها، بدأت مشكلة النفايات البلاستيكية وأثرها البيئي في الظهور بصورة أكبر، لأن هذه العبوات متعددة الطبقات يصعب تحللها أو إعادة تدويرها، وتنتقل من المكبات إلى المجاري المائية ثم إلى البحر.
164 مليون كيس يوميًّا
تنتج الفلبين ما لا يقل عن 2.7 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنويًّا، بينما تشير التقديرات إلى استخدام نحو 164 مليون كيس صغير يوميًّا. ويكشف هذا الرقم حجم التحدي الذي تواجهه أنظمة إدارة المخلفات، خاصة في المدن غير المرتفعة والمعرضة للفيضانات مثل مالابون.
وتوضح خاتي نولاسكو، نائبة رئيس لجنة البيئة في حي بوتيرو، أن النفايات تتراكم بصورة واضحة مع كل موسم للأعاصير. وتشهد الفلبين نحو 20 عاصفة سنويًّا، ما يؤدي إلى دفع المخلفات نحو المصارف ومجاري المياه.
وقد تستغرق عمليات التنظيف بعد الفيضانات نحو شهر، بينما تظل أكياس صلصة الصويا والخل والمنظفات والشامبو من أكثر المخلفات انتشارًا.
وفي مدينة تتكرر فيها الفيضانات مثل مالابون، تصبح إدارة النفايات جزءًا من حماية البيئة الحضرية وتقليل الأعباء التي تتحملها الخدمات العامة. وهو ما تعكسه الغاية 11.6 من الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، والتي تدعو إلى الحد من الأثر البيئي السلبي للمدن، مع إيلاء اهتمام خاص بإدارة النفايات
متجر بلا عبوات
في يوليو 2024، قادت نولاسكو، بدعم من إدارة الحي، إنشاء متجر تينجي تينداهان داخل مساحة خالية أمام مقر المجلس المحلي.
ويشبه المتجر في فكرته متاجر الأحياء الصغيرة المنتشرة في الفلبين، لكن الفارق الأساسي يكمن في طريقة عرض المنتجات، فالسلع تحفظ داخل أوعية زجاجية كبيرة تحمل أسماء مكتوبة يدويًّا، بينما تتدفق الزيوت والصلصات السائلة من حاويات مزودة بصنابير، وتوزن السلع الجافة مثل الدقيق والملح والنشا بحسب الكمية المطلوبة.

ويحضر العملاء عبواتهم الخاصة، سواء كانت زجاجة مياه قديمة أو علبة بسكويت أو أي وعاء قابل لإعادة الاستخدام.
وتوجد متاجر أخرى تعتمد الفكرة نفسها في مناطق مختلفة من الفلبين، لكن تينجي تينداهان يتميز بكونه أول متجر من هذا النوع يُنشئه ويموِّله مجلس محلي.
ولم تتوقف التجربة عند الأوعية القابلة لإعادة الاستخدام؛ فقد تعاون القائمون عليها مع مؤسسة Mother Earth Foundation لتوفير آلة بيع ذاتية تتيح تعبئة بعض المنظفات والصلصات السائلة حتى بعد إغلاق المتجر، بما يوسع فرص الاستفادة من الخدمة خارج ساعات العمل المعتادة.
أرخص وليس أغلى
في البداية، تردد بعض السكان في التعامل مع المتجر لأنهم اعتادوا رؤية المنتجات داخل أكياس بلاستيكية جاهزة. لكن الإقبال بدأ يزداد عندما اكتشف المستهلكون أن بعض السلع أرخص من المتاجر التقليدية.
فعلى سبيل المثال، يبلغ سعر كيس يحتوي على 100 مل من الخل نحو 8 بيزوهات فلبينية في المتاجر التقليدية، مقابل 5 بيزوهات للكمية نفسها في متجر تينجي تينداهان، أي أقل بنحو 37.5%. كما يستطيع السكان شراء الكمية التي يحتاجون إليها فقط، حتى إذا كانت قدرتهم الشرائية محدودة في ذلك اليوم.
ويمنح هذا النموذج إعادة التعبئة بُعدًا اقتصاديًّا مهمًا؛ إذ يتيح للأسر محدودة الدخل شراء الكميات التي تحتاج إليها بأسعار أقل، ويتحدى الصورة الشائعة عن اقتصار المتاجر التي تقلل النفايات على المستهلكين القادرين على الشراء بكميات كبيرة.
النساء في قلب النموذج
تدير المتجر مجموعة من النساء العاملات في مراقبة النفايات داخل الحي. ويبدأ جزء من عملهن يوميًّا بمتابعة مدى التزام الأسر بفرز المخلفات بصورة صحيحة، كما يصنعن بعض منتجات التنظيف السائلة التي تباع داخل المتجر باستخدام مواد يتم شراؤها من مصانع محلية.
لكن كيف يمكن لمبادرة بيئية صغيرة أن تتجاوز جمع المخلفات وفرزها لتفتح أمام النساء أبوابًا جديدة للمشاركة الاقتصادية؟ تقدم تجربة العاملات في متجر تينجي تينداهان إجابة عملية؛ إذ يجمع دورهن بين مراقبة النفايات وإنتاج مواد التنظيف وتشغيل المتجر، ليتحول العمل البيئي إلى نشاط اقتصادي واجتماعي يخدم المجتمع المحلي.
وتجسد هذه التجربة جانبًا من العلاقة بين حماية البيئة وتوفير فرص العمل، وهي علاقة تندرج ضمن اهتمامات الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد.
145 ألف كيس أقل
بعد نحو عام من افتتاح المتجر، تقدر إدارة المشروع أن المبادرة ساعدت على منع ما لا يقل عن 145 ألف كيس بلاستيكي من الوصول إلى المكبات.
ويمنح هذا التراجع المقدر في استخدام الأكياس البلاستيكية التجربةَ بُعدًا يتجاوز نتائج متجر واحد؛ إذ يجسد مبدأ تقليل النفايات من المصدر وإعادة استخدام العبوات، وهو ما تستهدفه الغاية 12.5 من الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالاستهلاك والإنتاج المسئولين.
ورغم أن الرقم يظل محدودًا مقارنة بحجم النفايات البلاستيكية المستهلكة يوميًّا على مستوى البلاد، فإنه يقدم مؤشرًا عمليًّا على تأثير نموذج صغير عند تطبيقه بصورة مستمرة.
كما تكشف التجربة اختلافًا في نظرة الأجيال إليها. فكبار السن يرون المتجر عودةً إلى طريقة شراء عرفوها في طفولتهم، بينما ينظر إليها الأطفال والشباب باعتبارها فكرة جديدة وغير مألوفة.

وتوضح هذه المفارقة أن الحل يعتمد على إعادة تقديم عادة قديمة بصورة تناسب تحديات الاستهلاك الحديثة ولا يعد سلوكًا جديدًا بالكامل.
المسئولية تتجاوز المجتمع
رغم النتائج التي حققها تينجي تينداهان، يرى العالم البحري ديو فلورنس أوندا أن معالجة أزمة النفايات البلاستيكية لا يمكن أن تعتمد على المجتمعات وحدها.
فالشركات التي تنتج وتبيع السلع داخل الأكياس البلاستيكية تحقق أرباحًا من هذا النموذج، وبالتالي يجب أن تتحمل جزءًا من مسؤولية التعامل مع المخلفات الناتجة عنه.
وفي عام 2022، أقرت الفلبين قانون المسئولية الممتدة للمنتج “Extended Producer Responsibility”، الذي يلزم الشركات الكبرى باستعادة جزء من مخلفات العبوات البلاستيكية التي تطرحها في الأسواق، مع غرامات تبدأ من 5 ملايين بيزو فلبيني على المخالفين.
لكن نشطاء البيئة يقولون إن التطبيق ما زال يعاني من فجوات، بينما تواجه بعض المدن صعوبة في فرض قيود أكثر صرامة على البلاستيك بسبب اعتراضات الصناعة وأصحاب المصالح.
وكانت مالابون نفسها قد حاولت عام 2013 تطبيق حظر شامل على بعض العبوات البلاستيكية، قبل التراجع عنه لاحقًا وسط اعتراضات، خاصة مع وجود عدد من مصانع البلاستيك داخل المدينة.
وتتسع مسئولية الشركات لتشمل طريقة تصميم العبوات والمنتجات قبل وصولها إلى المستهلك، بما يقلل المخلفات من المصدر. وهي قضية تناولتها مؤسسة حماة الأرض في مقالها: التصميم المستدام.. مسار جديد لمواجهة التلوث البلاستيكي، الذي يسلط الضوء على دور الابتكار الصناعي في تقليل النفايات وإعادة التفكير في دورة حياة المنتجات.
نموذج قابل للتكرار
بالنسبة إلى نولاسكو وفريقها، فإن انتظار اكتمال السياسات الوطنية ليس خيارًا مناسبًا في ظل استمرار موسم الأعاصير وتدفق النفايات من مناطق أخرى إلى المدينة. ومن هنا، يتطلع القائمون على المبادرة إلى نقل تجربة تينجي تينداهان إلى أحياء أخرى في الفلبين، حتى يمتد أثرها إلى مجتمعات تواجه تحديات مماثلة.
وتستمد هذه التجربة فرص انتشارها من بساطة فكرتها وارتباطها بعادة استهلاكية يعرفها السكان منذ أجيال؛ فهي تعيد إحياء شراء السلع بكميات صغيرة، مع تقليل الاعتماد على العبوات البلاستيكية والحفاظ على الأسعار المناسبة للأسر محدودة الدخل.
وفي هذا الجمع بين الموروث الشعبي والحلول البيئية الحديثة، تتجلى إحدى الأفكار التي تنطلق منها رؤية مؤسسة حماة الأرض: أن الاستدامة تصبح أقرب إلى حياة الناس عندما تراعي ظروفهم الاقتصادية وثقافتهم المحلية. فتجربة تينجي تينداهان تبيّن كيف يمكن لعادات بسيطة أن تتحول إلى أدوات لحماية البيئة، حين يجد السكان في البدائل المستدامة منفعة يومية تشجعهم على تبنيها والاستمرار فيها.




