كيف أصبحت التكنولوجيا والروبوتات سلاحًا جديدًا في مواجهة حرائق الغابات؟

كيف أصبحت التكنولوجيا والروبوتات سلاحًا جديدًا في مواجهة حرائق الغابات؟
تُعتبر حرائق الغابات أو حرائقُ الأدغال حرائقَ كبرى غير منضبطةٍ، وذات تأثير مدمِّر في الإنسان وبيئته، ويمكنها أنْ تنتشر انتشارًا سريعًا، وتُغير اتجاه استشرائها، وتُوسع من رقعة انتشارها حينما تشتد موجات الحر أو ترتفع درجات الحرارة الموسمية في فصل الصيف.
ومع اتساع نطاق مثل هذه الحرائق المدمِّرة كان لا بُدَّ من مكافحتها بأدوات أكثر كفاءة في الرصد والاستجابة والتعامل مع المناطق الخطرة؛ ولذا ذهبت جهات معنية كثيرة إلى توظيف الروبوتات والطائرات المسيَّرة (بالإنجليزية: drone) وتقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة الاستشعار الحديثة في مكافحة حرائق الغابات.
وتقوم هذه الأدوات الذكية بالاستكشاف المبكر، ورصد بؤر الاشتعال، ومراقبة انتشار النيران، وتقديم الدعم الميداني إلى فِرق الإطفاء، ثم تعزيز عمليات السيطرة، وتقليل الخسائر البشرية والبيئية، وغيرها من الوظائف التي تكافح حرائق الغابات.
لماذا زادت أخطار حرائق الغابات؟
أصبحت حرائق الغابات أكثر تكرارًا وشدة في السنوات الأخيرة؛ بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة أوقات الجفاف، وتغير أنماط الطقس؛ وهو ما أدى إلى اتساع رقعة الحرائق، وصعوبة احتوائها بالوسائل التقليدية.
كذلك ساعدت الظروف المناخية المتطرفة على زيادة كميات النباتات الجافة القابلة للاشتعال؛ الأمر الذي يرفع احتمالات انتشار النيران بسرعة، ويضاعف الأخطار التي تواجه فِرق الإطفاء، خاصة في المناطق الوعرة أو البعيدة عن مراكز الاستجابة السريعة.
ومع اشتداد حدة الظواهر المناخية المرتبطة بتغير المناخ، أصبحت بعض الحرائق تمتد إلى مساحات أوسع، وتستمر أوقاتًا أطول، وهو ما يرفع من مؤشرات الخسائر التي تلحق بالنظم البيئية والموارد الطبيعية والبنية التحتية والمجتمعات المحلية، وحينها تتأثر الجهود المعنية بتحقيق الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة: العمل المناخي.
أيضًا تؤدي سرعة تغير اتجاهات الرياح وارتفاع درجات الحرارة إلى صعوبة التنبؤ بمسار النيران، الأمر الذي يفرض تحديات إضافية أمام فِرق الإطفاء، ويستلزم الاعتماد على تقنيات أكثر تطورًا؛ لتعزيز سرعة الاستجابة، وتحسين القدرة على احتواء الحرائق قبل خروجها عن السيطرة؛ ولذلك أصبحنا في حاجة إلى أسلوب مكافحة معتمِد على التكنولوجيا والبيانات اللحظية.

كيف تكتشف التكنولوجيا حرائق الغابات مبكرًا؟
إنَّ أنظمةَ الإنذار المبكر الحديثة مؤسَّسةٌ على شبكةٍ متكاملة من الطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار الثابتة والأقمار الصناعية، إلى جانب نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على جمع البيانات وتحليلها تحليلًا لحظيًّا، وهو ما يسمح بإجراء تعديلات سريعة على خطط الاستجابة مهما تبدلت الظروف الجوية، مع تقليل الوقت والجهد المطلوبينِ لتنفيذ المهام الميدانية واللوجستية.
وعلى سبيل المثال تساعد الكاميرات الحرارية على رصد بؤر الاشتعال -حتى في وجود الدخان أو في أثناء الليل- وتحدد المناطق التي تظل محتفِظةً بحرارة مرتفعة أو يُتوقع اشتعالُ حريقٍ آخر فيها، وهذا حينما تتابع أجهزة الاستشعار التغيرات في درجات الحرارة ومعدلات الرطوبة وسرعة الرياح داخل المناطق المعرضة لخطر الحريق.
وتقوم نماذج الذكاء الاصطناعي كذلك بدمج البيانات الواردة من الطائرات والأقمار الصناعية والمحطات الأرضية؛ من أجل إعداد تقييم موضوعي عن الأخطار المحتمَلة، والتنبؤ بمسار انتشار الحرائق، بما يسمح بإرسال إنذارات مبكرة، وتوجيه فِرق الاستجابة إلى المناطق الأكثر عرضة للخطر قبل تحول الحرائق إلى كوارثَ واسعةِ النطاق.
وهناك أيضًا الروبوتات التي تعمل على إزالة النباتات الجافة، وإنشاء ممرات وقائية تحد من انتشار النيران، بالإضافة إلى الروبوتات القادرة على نقل المياه والرغوة (مادة عازلة لإطفاء الحرائق) إلى المناطق الخطرة، التي يصعب وصول فِرق الإطفاء إليها.
من جانب آخر تسهم بعض الأنظمة الذكية في دعم عمليات إخلاء المصابين أو المحاصَرين، وهذا بتوفير وسائل سحب أو إرشاد دون تعريض مزيد من الأفراد للخطر، وهو ما يسمح لرجال الإطفاء بالتركيز على أعمال السيطرة على الحرائق وبناء خطوط الاحتواء.

أبرز التحديات
بالرغم من التطور السريع في هذه التقنيات فإنَّ استخدامها أمامه عدد من التحديات، من أبرزها:
- تأثير الحرارة المرتفعة والدخان والرماد في كفاءة أجهزة الاستشعار والمكونات الإلكترونية.
- ضعف الاتصالات في المناطق الجبلية أو النائية؛ مما قد يؤثر في تبادل البيانات والتحكم عن بُعد.
- صعوبة التحرك بين التضاريس الوعرة والغابات ذات الغطاء الشجري المتشابك.
- محدودية عُمر البطاريات، خاصة أثناء الحرائق التي تتطلب عمليات مراقبة متواصلة.
كيف يبدو المستقبل؟
مِن هنا يتجه باحثون إلى تطوير جيلٍ جديد من الروبوتات، جيلٍ يتمتع بمستويات أعلى من الاستقلالية والقدرة على العمل الجماعي، بما يسمح بتنسيق مهام عدد أكبر من الروبوتات والطائرات المسيرة في الوقت نفسه.
كما أنَّ العملَ جارٍ على وضع معايير موحدة تضمن التكامل بين الأنظمة المختلفة، وتعزز قدرتها على تبادل البيانات. ومن المتوقع أنْ تسهم هذه التطورات في خفض التكاليف، وتحسين سرعة الاستجابة، وتقليل الأخطار التي يتعرض لها رجال الإطفاء. وذلك كله ضمن مؤشرات الهدف الحادي عشر: مدن ومجتمعات محلية مستدامة.
وفي الختام، فإنَّ حرائق الغابات تحدٍّ ميداني يواجهه رجالُ الإطفاء، وأزمة بيئية ومناخية معقدة تتطلب تحولًا جذريًّا في أساليب إدارتها؛ لأنه مع زيادة وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة واتساع نطاق الحرائق أصحبنا في حاجة ماسَّة إلى التنبؤ المبكر، وتحليل البيانات اللحظية، واتخاذ القرارات الدقيقة.
وذلك ما يمكن أنْ تقدمه الروبوتات والطائرات المسيرة وتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ ولهذا تؤكد مؤسسة حماة الأرض أنَّ الاستثمار في التقنيات الذكية أحد طرق مكافحة التغيرات المناخية وأفضل سبل مكافحة آثارها السلبية، التي من أبرزها حرائق الغابات.




