علوم مستدامة

في ظل تأثيرات الحروب وتصاعد الأزمات.. كيف تسعى الدول الكبرى لتعزيز أمن الطاقة؟

أمن الطاقة

في ظل تأثيرات الحروب وتصاعد الأزمات.. كيف تسعى الدول الكبرى لتعزيز أمن الطاقة؟

يشهد العالم موجة جديدة من القلق بشأن ملف أمن الطاقة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وما تبعها من اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط والغاز، إلى ارتفاع أسعار الطاقة والعديد من السلع المرتبطة بها مثل الأسمدة والمنتجات الصناعية، وهو ما أعاد تسليط الضوء على مدى قدرة الاقتصادات الكبرى على تأمين احتياجاتها من الطاقة في أوقات الأزمات، وتحقيق طاقة نظيفة وبأسعار معقولة؛ أي الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة.

وفي ظل هذه التطورات، يتجدد النقاش حول مدى صلابة أنظمة الطاقة في الاقتصادات الكبرى، خاصة تلك التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات لتلبية احتياجاتها. ويبرز أمن الطاقة هنا بوصفه عاملًا حاسمًا في تحديد قدرة الدول على مواجهة صدمات الأسواق العالمية والحفاظ على استقرار قطاعاتها الاقتصادية، بما يحقق الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة: الاستهلاك والإنتاج المسئولين.

وفي هذا السياق، يتناول هذا المقال مقارنة بين ثلاثة من أكبر الاقتصادات في العالم -الولايات المتحدة وأوروبا والصين- من حيث مستوى أمن الطاقة لديها، وذلك من خلال تحليل درجة اعتماد كل منها على الإنتاج المحلي مقابل الواردات، ومدى قدرتها على التعامل مع اضطرابات الإمدادات في ظل الأزمات الجيوسياسية المتصاعدة.

الولايات المتحدة وتعزيز أمن الطاقة عبر الإنتاج المحلي

تظهر الولايات المتحدة في موقع متقدم ضمن خريطة أمن الطاقة العالمي، ويرتبط ذلك إلى حد كبير بالتحولات التي شهدها قطاع الطاقة خلال العقدين الماضيين. فقد أدت ثورة النفط والغاز الصخري إلى زيادة كبيرة في إنتاج الطاقة المحلي منذ منتصف العقد الأول من الألفية، وهو ما عزز قدرة البلاد على تلبية احتياجاتها من مصادر داخلية.

وتشير البيانات إلى أن نسبة الطاقة التي تحصل عليها الولايات المتحدة من موارد محلية ارتفعت من نحو 75% في عام 2010 إلى أكثر من 108% في عام 2024، مدفوعة بزيادة كبيرة في إنتاج النفط والغاز الطبيعي. وقد أسهم هذا التحول في تقليص اعتماد الاقتصاد الأمريكي على الواردات، مما عزز موقعه ضمن الدول الأكثر قدرة على مواجهة اضطرابات أسواق الطاقة العالمية.

خسائر الحروب

ومع ذلك، فإن ارتفاع مستوى أمن الطاقة لا يعني بالضرورة استقرار أسعار الطاقة داخل السوق المحلية. فأسعار الوقود في الولايات المتحدة ما تزال مرتبطة بحركة الأسواق العالمية، إذ تعتمد شركات التكرير على أسعار النفط الدولية. وقد أدى التصعيد الجيوسياسي الأخير إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل داخل الولايات المتحدة بأكثر من 50% خلال شهر واحد، في انعكاس مباشر لتقلبات السوق العالمية.

الغاز الطبيعي ركيزة إضافية لأمن الطاقة الأمريكي

في موازاة الطفرة التي شهدها إنتاج النفط، لعب الغاز الطبيعي دورًا متزايد الأهمية في تعزيز أمن الطاقة داخل الولايات المتحدة. فقد ارتفع إنتاج الغاز المحلي بشكل كبير منذ عام 2010، وهو ما سمح بزيادة استخدامه في توليد الكهرباء وتوسيع صادرات الغاز الطبيعي المسال.

وتشير البيانات إلى أن حصة الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء ارتفعت من نحو 24% في عام 2010 إلى أكثر من 42% في عام 2024، وهو ما يعكس الدور المتنامي لهذا المصدر في مزيج الطاقة الأمريكي. كما أسهم التوسع في الإنتاج في تحويل الولايات المتحدة إلى أحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم.

وقد ارتفعت صادرات الغاز الطبيعي المسال من أقل من نصف مليون طن في عام 2015 إلى ما يقارب 108 ملايين طن في عام 2025، ما عزز مكانة الولايات المتحدة باعتبارها موردًا رئيسيًّا للطاقة في الأسواق العالمية، خاصة بالنسبة للدول التي تسعى إلى تنويع مصادر إمداداتها. وفي حين يعكس هذا التطور قوة موقع الولايات المتحدة في معادلة أمن الطاقة العالمية، فإن الصورة تبدو مختلفة في مناطق أخرى من العالم، خاصة في أوروبا التي تعتمد بدرجة أكبر على واردات الطاقة لتلبية احتياجاتها.

أوروبا وتحديات أمن الطاقة

على الجانب الآخر من المشهد، تواجه أوروبا تحديات أكبر في مجال أمن الطاقة نتيجة اعتمادها الواسع على الواردات لتلبية احتياجاتها من الطاقة. وتشير التقديرات إلى أن نحو نصف احتياجات القارة من الطاقة يأتي من مصادر خارجية، وهو ما يجعل اقتصاداتها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في مصادر الطاقة التي تعتمد عليها أوروبا، خاصة بعد تراجع الإمدادات الروسية في أعقاب الحرب في أوكرانيا. وفي هذا السياق، اتجهت الدول الأوروبية إلى زيادة وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا من الولايات المتحدة، في محاولة لتعويض نقص الإمدادات التقليدية.

ومع أن هذا التحول ساعد على سد جزء من الفجوة في الإمدادات، فإنه لم ينهِ التحديات المرتبطة بأمن الطاقة في القارة. فاستبدال مورد بآخر لا يلغي حقيقة أن نظام الطاقة الأوروبي ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة المستوردة، وهو ما يتركه عرضة لتقلبات الأسواق والأزمات الجيوسياسية.

الصين بين الإنتاج المحلي والاعتماد على الواردات

في المقابل، تقف الصين في موقع وسط ضمن معادلة أمن الطاقة العالمي، إذ تجمع بين قدرات إنتاج محلية كبيرة واعتماد واسع على الواردات لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة. فمع كونها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأحد أكبر المستهلكين للطاقة، تعتمد الصين على مزيج متنوع من المصادر يشمل الفحم والنفط والغاز والطاقة المتجددة.

ورغم أن الصين تمتلك إنتاجًا محليًّا كبيرًا من الفحم، الذي يشكل مصدرًا رئيسيًّا لتوليد الكهرباء، فإنها تظل أكبر مستورد للنفط والغاز في العالم لتلبية احتياجات قطاعات الصناعة والنقل. ويجعل هذا التوازن بين الإنتاج المحلي والواردات مستوى أمن الطاقة الصيني أكثر مرونة مقارنة ببعض الاقتصادات المستوردة بالكامل، مع بقاء الاقتصاد الصيني عرضة لتقلبات الأسواق العالمية في حال حدوث اضطرابات كبيرة في إمدادات الطاقة.

وفي هذا الإطار، تعمل الصين على تعزيز أمن الطاقة من خلال تنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع احتياطياتها الاستراتيجية من النفط، إلى جانب الاستثمار المكثف في الطاقة المتجددة والبنية التحتية للطاقة؛ سعيًا منها إلى تحقيق الهدف: طاقة نظيفة وبأسعار معقولة. وتسهم هذه الاستراتيجية في تقليل المخاطر المرتبطة بالأزمات الجيوسياسية التي قد تؤثر في تدفق الإمدادات العالمية.

الطاقة في اوروبا

استدامة الطاقة في مستقبل الاقتصاد العالمي

تعكس المقارنة بين الاقتصادات الكبرى اختلافًا واضحًا في مستويات أمن الطاقة، ويرتبط ذلك بشكل أساسي بدرجة اعتماد كل اقتصاد على الإنتاج المحلي مقارنة بالواردات. فالدول التي تمتلك موارد طاقة محلية وفيرة تتمتع بمرونة أكبر في مواجهة الأزمات، بينما تواجه الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد ضغوطًا أكبر عند حدوث اضطرابات في الأسواق العالمية.

وتبرز هذه الفوارق بوضوح في أوقات الأزمات الجيوسياسية التي تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية. ففي مثل هذه الظروف، تصبح القدرة على تأمين الطاقة محليًّا عاملًا مهمًّا في الحفاظ على استقرار الاقتصاد وتجنب الصدمات الحادة في الأسعار.

وفي سياق أوسع، يرتبط تعزيز أمن الطاقة أيضًا بأهداف الاستدامة، إذ يسهم تنويع مصادر الطاقة بين الإنتاج المحلي والواردات، إلى جانب التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، في بناء أنظمة طاقة أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الأزمات. كما يساعد هذا التنوع في تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على مصدر واحد للطاقة، وهو ما يدعم استقرار الاقتصاد ويعزز القدرة على تحقيق تنمية اقتصادية أكثر استدامة على المدى الطويل.

وأخيرًا، تسلط التطورات الأخيرة الضوء على الدور المتزايد الذي يلعبه أمن الطاقة في استقرار الاقتصاد العالمي. فاضطرابات الإمدادات وارتفاع الأسعار ينعكسان مباشرة على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي، كما يؤثران في حركة التجارة الدولية والأنشطة الصناعية.

وترى مؤسسة حماة الأرض أن تحقيق أمن الطاقة على المدى الطويل يتطلب مزيجًا من السياسات التي تشمل تطوير مصادر الطاقة النظيفة، وتعزيز الابتكار في تقنيات الطاقة، وتقليل الاعتماد على الإمدادات الخارجية، وهو ما يتقاطع مع أهداف التنمية المستدامة المرتبطة بتوفير طاقة نظيفة وموثوقة ودعم النمو الاقتصادي المستقر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى