علوم مستدامة

الذكاء الاصطناعي في الحقول: هل تشكل الزراعة الرقمية خطرًا على التنوع الزراعي؟

الزراعة الرقمية

الذكاء الاصطناعي في الحقول: هل تشكل الزراعة الرقمية خطرًا على التنوع الزراعي؟

يشهد القطاع الزراعي تحولات متسارعة مع دخول التقنيات الرقمية والأنظمة الذكية إلى قلب عملية الإنتاج الغذائي. فقد بدأت أدوات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والأقمار الصناعية تلعب دورًا متزايدًا في تحليل التربة، ورصد المناخ، وتوجيه قرارات الزراعة. وبينما يُنظر إلى هذه التقنيات بوصفها فرصة لتحسين الإنتاجية وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، تتزايد في المقابل تساؤلات حول تأثيرها في شكل النظام الغذائي العالمي ومستقبل قرارات المزارعين.

وفي هذا السياق، حذَّر تقرير صادر عن شبكة اللجنة الدولية للخبراء المعنية بنظم الغذاء المستدامة (IPES-Food) من أن توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة قد يمنح شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا متزايدًا في تحديد ما يُزرع وكيف يُزرع، وهو ما يفتح نقاشًا أوسع حول توازن القوة داخل منظومة الغذاء العالمية.

صعود الذكاء الاصطناعي في الزراعة

خلال السنوات الأخيرة، دخلت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل Google وMicrosoft وAmazon وIBM وAlibaba إلى قطاع الزراعة عبر تطوير أدوات رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. وتعتمد هذه الأدوات على معلومات يتم جمعها من الأقمار الصناعية والطائرات المسيَّرة وأجهزة الاستشعار في التربة، إضافة إلى بيانات المناخ والإنتاج الزراعي.

وتُستخدم هذه البيانات لتقديم توصيات للمزارعين حول نوع المحاصيل المناسبة للزراعة، وتوقيت الري، وكمية الأسمدة أو المبيدات المطلوبة. ومع توسع هذه التطبيقات، أصبح ما يُعرف بالزراعة الرقمية سوقًا سريعة النمو، إذ تُقدَّر قيمته بنحو 30 مليار دولار حاليًّا، مع توقعات بارتفاعه إلى أكثر من 80 مليار دولار خلال العقد المقبل.

غير أن توسع هذه السوق لا يقتصر على تطوير أدوات تقنية جديدة، إذ يمتد إلى إعادة تشكيل طريقة اتخاذ القرار الزراعي نفسه، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه الخوارزميات في إدارة الإنتاج الغذائي.

Artificial Intelligence and sustainability

الزراعة بالخوارزميات وتأثيرها على قرارات المزارعين

يشير مفهوم الزراعة بالخوارزميات، إلى اعتماد قرارات الزراعة على توصيات الأنظمة الرقمية التي تحلل البيانات الزراعية والبيئية. وفي هذا النموذج، قد تنتقل بعض عناصر اتخاذ القرار من المزارع نفسه إلى المنصات الرقمية التي تقدم توصيات مبنية على الخوارزميات.

ويرى منتقدو هذا التوجه أن هذه المنصات قد تخلق نموذجًا زراعيًّا مركزيًّا، حيث تحدد الشركات التكنولوجية وشركاؤها في القطاع الزراعي اتجاهات الإنتاج، بدلًا من أن تنطلق القرارات من احتياجات المزارعين المحليين أو خصائص البيئات الزراعية المختلفة. ومع اتساع نطاق هذه الأدوات، يصبح السؤال الأبرز هو: هل ستظل هذه التوصيات الرقمية أداةً مساعدة للمزارعين بما يضمن تحقيق الأمن الغذائي والقضاء على الجوع (الهدف 2)، أم أنها قد تتحول تدريجيًّا إلى عنصر مؤثر في تحديد شكل الإنتاج الزراعي العالمي؟

خطر تراجع التنوع الزراعي

من بين المخاوف التي يثيرها هذا التحول هو احتمالية أن يؤدي الاعتماد الواسع على الخوارزميات إلى تقليص التنوع الزراعي. فغالبًا ما تركز الأنظمة الرقمية على المحاصيل الأكثر انتشارًا وربحية في الأسواق العالمية، مثل الذرة والقمح، والأرز، والصويا، والبطاطس.

هذا التركيز قد يؤدي إلى تهميش المحاصيل المحلية التي طوَّرتها المجتمعات الزراعية عبر أجيال طويلة، مثل بعض الحبوب التقليدية في إفريقيا أو آسيا، مما قد يؤثر على الأمن الغذائي في هذه المناطق. ومع مرور الوقت، قد يسهم ذلك في إضعاف التنوع البيولوجي الزراعي، وهو عنصر أساسي في قدرة النظم الغذائية على التكيف مع تغير المناخ والظروف البيئية المتغيرة. ومن هنا ينتقل النقاش من مجرد مسألة تقنية إلى قضية أوسع تتعلق بمرونة النظام الغذائي العالمي وقدرته على مواجهة الصدمات.

خطر تراجع التنوع الزراعي

النظام الغذائي العالمي بين المركزية والهشاشة

يحذر بعض الخبراء من أن توسع الزراعة الرقمية قد يعزز مركزية النظام الغذائي العالمي، إذ قد يصبح الإنتاج الزراعي أكثر ارتباطًا بالشركات متعددة الجنسيات التي توفر البذور والبيانات والتقنيات الزراعية. وفي هذه الحالة، قد يجد المزارعون أنفسهم معتمدين بشكل متزايد على حزم متكاملة من البذور والمعدات والمدخلات الزراعية المرتبطة بتوصيات الخوارزميات.

ورغم أن هذا النموذج قد يرفع الإنتاجية في بعض الحالات، فإنه قد يجعل النظام الغذائي أكثر عرضة للصدمات العالمية، سواء كانت أزمات مناخية أو اضطرابات في التجارة أو النزاعات الجيوسياسية. وبذلك يتحول النقاش حول اندماج الذكاء الاصطناعي في الزراعة إلى جزء من حوار أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية ومرونة النظام الغذائي.

الابتكار الزراعي من القاعدة إلى القمة

في مقابل هذا النموذج المركزي، يدعو بعض الخبراء إلى تعزيز الابتكار الزراعي الذي ينطلق من المجتمعات الزراعية نفسها. ويشمل ذلك دعم المعرفة المحلية للمزارعين، وتشجيع الممارسات الزراعية التي تحافظ على التنوع البيولوجي وتعزز قدرة النظم الزراعية على التكيف، وهو ما يؤثر إيجابًا بالضرورة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة الشاملة.

وتشير تجارب في عدة مناطق من العالم إلى أن المزارعين قادرون على تطوير حلول مبتكرة تعتمد على الموارد المحلية، مثل حماية مئات أصناف البطاطس التقليدية في بيرو، أو جهود حفظ البذور المحلية في الصين، أو استخدام المزارعين في تنزانيا وسائل التواصل الاجتماعي لتبادل المعلومات حول الطقس والأسواق. هذه النماذج تبرز إمكانية الجمع بين الابتكار التكنولوجي والمعرفة المحلية، بدل أن يحل أحدهما محل الآخر.

الذكاء الاصطناعي

في ضوء هذه التحولات، يظل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مجال الزراعة أداة بإمكانها أن تسهم في تحسين إدارة الموارد وزيادة الإنتاج الغذائي، لكنه يثير في الوقت نفسه أسئلة مهمة حول من يملك البيانات الزراعية؟ ومن يحدد اتجاهات الإنتاج؟ وكيف يمكن ضمان بقاء المزارعين في قلب عملية اتخاذ القرار؟

وترى مؤسسة حماة الأرض أن توظيف التكنولوجيا في القطاع الزراعي ينبغي أن يتم ضمن إطار يدعم الاستدامة ويعزز استقلالية المجتمعات الزراعية. فالتقنيات الرقمية يمكن أن تلعب دورًا مهمًّا في تحسين الإنتاج وإدارة الموارد الهدف (12) الاستهلاك والإنتاج المسئولان، لكنها تظل أكثر فاعلية عندما تُستخدم لدعم المزارعين وحماية التنوع الزراعي، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة المرتبطة بالقضاء على الجوع (الهدف 2)، وتعزيز أنماط الإنتاج المستدامة وحماية النظم البيئية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى