دروع حماة الأرضدرع رواد الاستدامة

الرائد كريم بدر أيقونة العدل والسلام وبناء المؤسسات القوية

"حماة الأرض" تكرم بطلًا صنع من جراحه منارةً للاستدامة

كريم بدر

الرائد كريم بدر أيقونة العدل والسلام وبناء المؤسسات القوية

في سِجِلِّ الأوطان، ثمة أسماءٌ تُنقش بالدماء على صخور الذاكرة الوطنية؛ أسماءٌ تتجاوز حدود البطولة الفردية لتصير رمزًا جمعيًّا لأمةٍ بأكملها. ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم الرائد المقاتل كريم بدر، الذي صار تجسيدًا حيًّا للهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة: “السلام والعدل والمؤسسات القوية“.

في الرابع عشر من رمضان، الموافق فجرَ الأول من يوليو عام 2015، كانت سيناءُ على موعدٍ مع واحدةٍ من أخطر المحاولات لتقويض سيادة الدولة المصرية، حين أرادت قوى الظلام اقتطاع جزءٍ من جسد الوطن. هجومٌ منسَّقٌ وشاملٌ استهدف ما لا يقل عن 19 نقطةً أمنيةً وعسكريةً في توقيتٍ متزامن، شنَّه مئاتُ الإرهابيين المدجَّجين بقذائف الهاون، وقواذف الـ”آر بي جي”، والرشاشات الثقيلة، والسيارات المفخَّخة.

كان الهدف هو إثارة الفوضى من خلال محاولة تنفيذ مشروع متكامل لهدم مؤسسة الدولة في مدينة الشيخ زويد، وعزلها، وإعلانها إمارةً ظلاميةً؛ أيْ تقويضًا كاملًا لكل ما يعنيه السلام والعدل، وهدمًا صريحًا للمؤسسات القوية.

ملحمةُ “كمائن الرفاعي” صمودٌ أسطوريٌّ في وجه الجحيم

في قلب العاصفة، كانت كمائنُ “أبو الرفاعي” هدفًا رئيسًا للمهاجمين. قوةٌ قليلةُ العدد من الأبطال المصريين وجدت نفسها في مواجهةٍ غير متكافئة، تنهال عليها السيارات المفخَّخة والأسلحة الثقيلة من كل اتجاه. غير أنَّ بسالتهم حالت دون وصول تلك السيارات إلى الحرم الرئيسي للكمائن؛ إذ فجَّروها قبل أنْ تبلغ مرادها، متحمِّلين موجةً انفجاريةً هائلةً.

ورغم سقوط شهداء ومصابين، تمسَّك مَن تبقَّى بمواقعهم، وانتشروا للدفاع عن كل شبرٍ من تراب الوطن الطاهر، حتى جاءهم الدعم العسكري.

حين وصل نداءُ الاستغاثة، تحرَّكت قوةُ الدعم على رأسها الرائد كريم بدر، الذي وقف أمام رجاله قبل التحرك، فقال كلماته التي صارت عقيدةً قتاليةً لا تُمحى: “اتفقنا قبل التحرك أننا سنقابل ربَّنا بأكبر عددٍ منهم”.

تقدَّمت القوةُ بدبابة “إم 60” بقيادة الشهيدَين الملازم أول محمد عبده والملازم أول حسين السيد، تتبعها مركبةُ الرائد كريم بدر. وفي زمنٍ قياسي كانت القوةُ في قلب الاشتباكات، لا تبتغي سوى هدفٍ واحد: القضاء التام على الإرهابيين.

ذراعٌ للوطن وقلبٌ لا يعرف إلا النصر

حين استُشهد الملازم أول محمد عبده، استكمل الشهيد الملازم أول حسين السيد قيادة الدبابة. تقلَّصت المسافة بين أبطال السلام والعناصر الإرهابية، التي حاولت الاقتراب لتفادي مدى الأسلحة. ومن فوهة الرشاش نصف بوصة، فجَّر العسكري “كرولس” سيارةً مفخَّخةً كانت تحاول المراوغة.

وأخذ الرائد كريم بدر يُصفِّي أكبر عددٍ من المهاجمين، قبل أنْ يُبلغ القيادة بأنه سيقوم بالإخلاء بنفسه. وحين كثَّف الإرهابيون نيرانهم الثقيلة عليه، وفي ذروة إحساسه بالخطر، وخوفه من أنْ يقع أسيرًا -كي لا يكون عبئًا على جنوده- قال كلماته الخالدة لأحدهم: “لو لقيتوني عبء عليكم اضربوني رصاصة في دماغي عشان محدش ياخدني كده”.

كلماتٌ خالداتٌ كانت أسمى تعبيرٍ عن رفض الخضوع للظلم، وعن التمسك بشرف المؤسسة العسكرية المصرية حتى الرمق الأخير.

وفي ذروة المعركة، وبينما كان يُدمِّر عربات العدو، تعرَّضت مدرعتُه لنيران كثيفةٍ من دانات الـ”آر بي جي”، فكانت الإصابةُ مباشرةً ومروِّعة: بُترت ذراعُه اليسرى في الحال.

هنا، حيث ينهار أقوى الرجال، تجلَّت قوةُ العقيدة المصرية في أبهى صورها. لم يصرخ، ولم يتراجع، بل وضع ذراعه المبتورة فوق سطح مركبته المدرعة بثباتٍ لا يتزعزع، وأمسك سلاحه الشخصي بيده اليمنى، وواصل القتال. لقد تحوَّلت إصابتُه التي وصفها لاحقًا بأنها هديةٌ من الله”- إلى وقودٍ لمعركةٍ لم تنتهِ إلا بانتصار الحق.

من الميدان إلى مصنع الرجال.. حين يتحول البطلُ إلى بانٍ للمستقبل

لم تنتهِ قصةُ الرائد كريم بدر بانتهاء المعركة، ولا بتكريمه من الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ لأنَّ المؤسسات القوية لا تكتفي بصدِّ العدوان وتحقيق الانتصارات الميدانية، وإنما تسعى جاهدة إلى استدامة قوتها.

انتقل البطلُ إلى الكلية الحربية -مصنع الرجال- حاملًا معه خبراتِه، ناقلًا تكتيكاتِ القتال من خلال دراسات الحالة المتعلقة بمعركة كمائن الرفاعي، غارسًا في قلوب ضباط المستقبل قيمَ التضحية والفداء والولاء؛ من أجل تحقيق السلام والعدل في العالم أجمع.

كلُّ محاضرةٍ يُلقيها، وكلُّ قصةٍ يرويها، كانت لبنةً جديدةً في بناء مؤسسةٍ قويةٍ ومستدامةٍ، قادرةٍ على حماية السلام والعدل عقودًا طويلةً قادمةً؛ ليُجسِّد بنفسه كيف أنَّ الأبطال المصابين لا يتقاعدون، وإنما يتحولون إلى منارات تضيء الطريق للأجيال القادمة.

درع رواد الاستدامة تكريمٌ يليق بالعظماء

تقديرًا لهذه الملحمة الإنسانية والوطنية، منحت مؤسسةُ حماة الأرض الرائدَ كريم بدر “درع رواد الاستدامة”، ذلك الدرع الذي تُكرَّم به الشخصياتُ الاستثنائيةُ الملهمة صاحبةُ الإنجازات المستدامة، التي تُسهم في تحقيق أثرٍ ملموسٍ ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة السبعة عشرة.

لا يمكن أنْ تُقرأ قصةُ الرائد كريم بدر قراءةً منفصلةً في سجل البطولات العسكرية؛ فهي حالةٌ وطنيةٌ عميقةٌ تكشف عن العلاقة الجدلية بين تضحية الفرد وصلابة المؤسسة، وكيف يُغذِّي أحدُهما الآخر في حلقةٍ متكاملةٍ غايتُها الكبرى: بقاءُ الدولة، وسيادةُ القانون، وتحقيقُ العدل والسلام وبناء المؤسسات القوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى