تصحيح خريطة العالم لدعم التنمية الثقافية والمعرفة الجغرافية

تصحيح خريطة العالم لدعم التنمية الثقافية والمعرفة الجغرافية
تتجاوز الخرائط حدود كونها أدوات لعرض المواقع والمسافات، إذ تسهم في تشكيل المعرفة الجغرافية والصورة التي تتكون لدى الأفراد عن العالم من حولهم. ومن هذا المنطلق، يفتح النقاش حول دقة تمثيل القارات على الخرائط مساحة أوسع للتفكير في دور المعرفة الجغرافية في تعزيز الوعي الثقافي ودعم مسارات التنمية الثقافية.
وفي هذا السياق، يأتي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن تمثيل العالم على الخرائط، ليعيد طرح تساؤلات حول الطريقة التي تُعرض بها الجغرافيا، ومدى تأثيرها في التعليم والثقافة وتكوين التصورات عن مختلف مناطق العالم.
الأمم المتحدة تناقش دقة الخرائط وتمثيل إفريقيا
بتأييد 164 عضوًا ومعارضة عضو واحد وامتناع 6 أعضاء عن التصويت، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا حول تصحيح خريطة العالم وإعادة التوازن إلى التمثيل الخرائطي العالمي وتعزيز التصوير العادل للمناطق وخاصة إفريقيا.
فيما اعترضت الولايات المتحدة على مشروع القرار -الذي قدمته توغو- وامتنعت إستونيا وجورجيا وليتوانيا ومولدوفا وصربيا وأوكرانيا من التصويت عليه.

قرار أممي لتعزيز العدالة والتنمية
وتؤكد الجمعية العامة في قرارها الجديد أن “التشوهات الخرائطية في أحجام القارات” الموروثة عبر التاريخ قد تمتد آثارها إلى جوانب معرفية وتعليمية وثقافية وجغرافية سياسية واجتماعية واقتصادية، كما قد تعكس أنماطًا من التحيز التاريخي. وترى الجمعية أن تصحيح هذه التشوهات يمكن أن يسهم في تعزيز الاعتراف والعدالة والتنمية، خاصة فيما يتعلق بقارة إفريقيا.
ويرتبط هذا الجانب كذلك بأهمية التعليم الجيد، الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، إذ تؤثر الخرائط المستخدمة في العملية التعليمية في الطريقة التي يتعرف بها الطلاب إلى العالم ويفهمون اختلاف مساحات القارات ومواقعها. ومن ثم، فإن تقديم المعلومات الجغرافية بصورة أكثر دقة يمكن أن يدعم بناء معرفة أكثر اتزانًا ووعيًا بالواقع الجغرافي.
إسقاط مركاتوري وحدود التمثيل الجغرافي
وتشير الجمعية العامة إلى أن “إسقاط مركاتوري”، المستخدم على نطاق واسع حول العالم، يُحدث تشوهًا في تمثيل مساحات الكتل القارية الواقعة بعيدًا عن خط الاستواء، وهو ما يؤدي إلى تقليص نسبي لحجم إفريقيا ومناطق أخرى.
إسقاط المساواة في الأرض.. نحو تمثيل أدق
وفي المقابل، تعلن الجمعية العامة أن “إسقاط المساواة في الأرض” يوفر تمثيلًا أدق لأحجام الكتل البرية القارية، وترى فيه خيارًا مناسبًا لتحسين دقة التمثيل الخرائطي للعالم. كما تشدد على أهمية تعزيز التمثيلات الخرائطية التي تتسم بقدر أكبر من الدقة والسلامة العلمية.
وتشجع الجمعية العامة الدول الأعضاء والمنظمات الدولية والكيانات الأخرى ذات الصلة على اعتماد ونشر واستخدام “إسقاط المساواة في الأرض” وطرائق الإسقاط الخرائطي المتساوي المساحات، حيث تكون دقة تمثيل أحجام القارات ذات أهمية. ويرتبط هذا التوجه كذلك بـالهدف العاشر: الحد من أوجه عدم المساواة، من زاوية تعزيز تمثيل أكثر دقة لمختلف مناطق العالم وإتاحة المعرفة الجغرافية بصورة أكثر توازنًا، بما يدعم التنمية الثقافية بشكل عام.

ما هو إسقاط مركاتوري؟
إسقاط مركاتوري هو طريقة لرسم خريطة العالم ابتكرها رسام الخرائط الفلمنكي جيراردوس مركاتوري عام 1569، بهدف مساعدة البحارة على تحديد الاتجاهات ورسم مساراتهم.
ومع ذلك، يؤدي هذا الإسقاط إلى تضخيم أحجام المناطق القريبة من القطبين مقارنة بمساحتها الحقيقية، فتبدو بعض القارات والمناطق أكبر من حجمها الفعلي.
تأييد ومعارضة
قادت توغو المفاوضات حول مشروع القرار نيابة عن المجموعة الإفريقية، بدعم من الاتحاد الإفريقي، انطلاقًا من رؤية تربط دقة التمثيل الجغرافي بقضايا أوسع تتصل بالمعرفة والوعي والتنمية الثقافية.
وفي هذا الإطار، أكد وزير خارجية توغو، روبرت دوسي، أن الجهد لا يستهدف إدانة إسقاط مركاتوري، الذي أقر بفائدته في الملاحة، أو فرض إسقاط خرائطي واحد، قائلًا: “الخريطة العادلة تغير نظرتنا إلى العالم ولا تغير الجغرافيا”.
الخرائط أدوات لتشكيل المعرفة
وتكتسب هذه الرؤية أهمية تنموية من كون الخرائط إحدى أدوات تشكيل المعرفة، خاصة في التعليم والإعلام، إذ يمكن لطريقة عرض العالم أن تؤثر في إدراك الأفراد لمكانة المناطق والقارات وحجمها وخصائصها الجغرافية.
ومن ثَمَّ، فإن تطوير التمثيل الخرائطي يرتبط بتعزيز الوعي الجغرافي والثقافي، وإتاحة معرفة أكثر دقة واتزانًا، بما يدعم مسار التنمية الثقافية ويرتبط بأهداف التعليم الجيد وإتاحة المعرفة بصورة أكثر إنصافًا.
في المقابل، عارضت الولايات المتحدة اعتماد القرار وصوتت ضده، معتبرة أن المبادرة تتجاوز الجانب الفني للخرائط وتحمل أبعادًا سياسية وأيديولوجية أوسع.
وقال المندوب الأمريكي: “هذا القرار يسخر من عمل هذه المؤسسة وأهدافها”، مضيفًا أن ما يُقدَّم باعتباره محاولة لتحديث النسب الخرائطية يندرج ضمن “مشروع أيديولوجي أكبر وأكثر جذرية”، ومشيرًا إلى الإشارات الواردة في القرار إلى التعويضات والعدالة المعرفية.
كيفية إنتاج المعرفة وتقديمها
ويكشف هذا التباين عن جانب آخر من النقاش، يتعلق بكيفية إنتاج المعرفة وتقديمها، ومن يحدد الأدوات المستخدمة في تفسير العالم وتدريس جغرافيته.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير الأدوات التعليمية والمعرفية بما يتيح تمثيلًا أكثر دقة للتنوع الجغرافي والثقافي، مع الحفاظ على الاستخدامات العلمية والعملية المختلفة لكل إسقاط خرائطي.
ومن الناحية العلمية، فإن الخرائط متساوية المساحة تحد من التشوه الذي يسببه إسقاط مركاتوري في تمثيل أحجام المناطق القريبة من القطبين، في حين لا تزيد المساحة الحقيقية لقارة إفريقيا، ويتيح ذلك مقارنة أكثر دقة بين المساحات الفعلية للقارات، بما يعزز جودة المعرفة الجغرافية ويدعم بناء وعي أكثر دقة بالعالم.
وفي الختام، تكشف قضية تمثيل العالم على الخرائط عن بُعد يتجاوز حدود الدقة الجغرافية إلى الطريقة التي تُبنى بها المعرفة وتنتقل من جيل إلى آخر؛ فالخريطة التي يتعلم منها الطالب، ويستخدمها الإعلام، وتظهر على المنصات الرقمية، تسهم بصورة مباشرة في تشكيل تصوره عن العالم ومكانة مناطقه وقاراته. ومن هنا، فإن مراجعة التشوهات الخرائطية تتعلق بتحسين الأدوات التي نقرأ بها هذه الجغرافيا، بما يعزز الوعي الثقافي، ويدعم معرفة أكثر دقة وتوازنًا، ويمنح التنمية الثقافية مساحة أوسع للارتباط بالتعليم وإنتاج المعرفة.
وبالتالي، فإن مؤسسة حماة الأرض تؤكد أن الاهتمام بدقة الخرائط يندرج ضمن مفهوم أوسع للتنمية يقوم على تطوير الإنسان وأدوات معرفته إلى جانب تطوير الموارد والمؤسسات. فتصحيح التمثيل الجغرافي، حين يستند إلى المعرفة العلمية ويحترم تعدد استخدامات الإسقاطات الخرائطية، يمكن أن يسهم في بناء وعي أكثر إدراكًا للتنوع الجغرافي والثقافي، ويعزز قيمة التعليم الجيد باعتباره مدخلًا لإنتاج معرفة أكثر إنصافًا.




